سور الصين العظيم… والهندسة التي لم تُحصّن الضمير

في سجلّ الهندسة العالمية، يُصنّف سور الصين العظيم كأحد أعظم الإنجازات البشرية. جدارٌ يمتد على آلاف الكيلومترات، بُني بأيدٍ خبيرة، وهندسة مدنية مذهلة، أراد بها الصينيون أن يصنعوا حاجزًا منيعًا أمام الغزوات والتهديدات الخارجية.

لكن بعد مرور الزمن، اتضح أن التهديد لم يكن في الخارج، بل كان داخل الأسوار.
فقد دخل العدو من الباب، لا لأنه تفوق على عبقرية البناء، بل لأن حارسًا عند المدخل قَبِل الرشوة وفتح الطريق. السور لم يسقط، لكن وظيفته سقطت. والهندسة لم تُهزم، بل القيم التي تدعمها هي التي انهارت.

كخبير في الهندسة المدنية وباحث في التنمية المستدامة، أعلم أن متانة أي بناء لا تُقاس فقط بسمكه أو علوّه، بل بمنظومة القيم التي تحميه. في كل مشروع، من محطة معالجة إلى سدّ مائي، من طريق سريع إلى بناية إدارية، هناك تصميم، وحسابات، ومراقبة… لكن إن وُجد خلل في الضمير المهني أو في رقابة الضمير الإداري، يصبح أي مشروع، مهما كانت دقّته، عرضة للانهيار، ليس بفعل الزلازل، بل بفعل التهاون.

الفساد في مجالنا لا يظهر دائمًا في عناوين الصحف، لكنه يتسلل بين التفاصيل: في تقليص سمك الأساسات، في اختيار مواد أقل جودة، في التغاضي عن الاختبارات، وفي قبول تقارير لا تعكس الواقع. وحينها، لا نكون أمام عيب تقني… بل أمام ثغرة أخلاقية تشبه “باب السور” المفتوح.

في المغرب، كما في غيره من البلدان، نسعى لتطوير البنية التحتية، ونضع مخططات كبرى، ونستثمر في التجهيزات. لكن دون ربط الهندسة بالقيم، والمعادلات بالأمانة، والمشاريع بالمساءلة، نظل مهددين بأن يتحول كل “سور” إلى واجهة فقط.

الهندسة المدنية ليست مجرد علم حسابات وهياكل، بل هي التزام. التزام بحماية الناس، بالشفافية في الإنجاز، وبالصدق في كل مرحلة من مراحل المشروع.

لأن الجدار لا يحمي من يسقط داخله.




بقلم: علي تستاوت
صحفي من الجالية المغربية
خبير في الهندسة المدنية
باحث في التنمية المستدامة
مستشار خارجي في الهيئة الدولية للسياسة الموازية
عضو في الجمعية المغربية للتنمية البشرية وشؤون الجالية

Comments (0)
Add Comment