اسمه سبيد، ويُلقَّب أيضًا بـ IShowSpeed. مرّ على إفريقيا كما يوحي اسمه: بسرعة. لكن ما لن يمرّ بسرعة هو ثمن تلك الزيارات، ولا الأسئلة التي خلّفتها التسجيلات التي انتشرت بعدها. قارةٌ بكاملها تتسابق على “الاستضافة”، على أمل تلميع صورة أو اقتناص ترند، فإذا بالمحتوى يفضح أكثر مما يروّج، ويكشف هشاشة الرهان على “الضجيج الرقمي” بدل المعنى.
لم تكن المشكلة في المؤثر ذاته؛ فصانع المحتوى يفعل ما يجيده: يصنع الإثارة ويقتات من اللحظة. المشكلة في منظومة قرار قررت أن تختصر تاريخًا وهويةً وتعقيدًا حضاريًا في بثٍّ مباشر، وأن تستبدل العمل التراكمي بصورة سريعة. بين “سبيد” و“ستبيد” (الاستغباء)، ضاعت البوصلة: ظنّ البعض أن السرعة ذكاء، وأن المشاهدة إنجاز، وأن الانتشار قيمة بذاته.
النتيجة؟ تسجيلات فضحت أكثر مما روّجت. أظهرت فقر الإعداد، وارتباك الرسالة، وغياب السردية. بدل أن تُقدَّم إفريقيا بعمقها وتنوّعها، قُدِّمت كخلفية صاخبة لمقاطع عابرة. وبدل أن تُحكى قصص الناس والجهد والبناء، طغت اللقطة السطحية. هكذا تتحول الكلفة — مالية ورمزية — إلى عبء طويل الأمد، لا يُمحى بانتهاء البث.
القضايا الكبرى — من التنمية إلى السيادة الرمزية — لا تُدار بالترند. تحتاج رؤية، ومؤسسات، وخطابًا صبورًا يحترم الذكاء الجماعي، ويستثمر في الإنسان لا في الضجيج. المؤثر قد يفتح نافذة، لكنه لا يبني بيتًا. ومن يراهن على النافذة وحدها، سيجد نفسه في العراء حين تُغلق.
في مقابل هذا الاندفاع، هناك من بقي. المرابطون، أهل الأرض، صُنّاع المعنى اليومي، الذين يعرفون أن الصورة بلا سياق قد تكون سلاحًا ضد صاحبها. هؤلاء هم رأس المال الحقيقي، وهم من يملكون الشرعية لصياغة الرواية، لا من يمرّون سريعًا ويتركون فاتورة لا تُنسى.
قد تمر “سبيد” على القارة.
وقد تمر معها موجة ضجيج.
لكن ما يبقى — إن أردنا — هو القرار الرشيد: أن نكفّ عن استبدال العمق بالسرعة، والمعنى بالمشاهدة، وأن نعيد الاعتبار لمن يصنعون المستقبل بثبات، لا بمن يصنعون اللقطة ثم يرحلون.