دموع التماسيح… من حمير غزة إلى حوض الأوركا

في 18 مايو 2025، أقلعت من مطار بن غوريون رحلة خاصة تحمل 58 حمارًا، قيل إنها “ناجية” من جحيم غزة، في طريقها إلى مراعي آمنة في فرنسا وبلجيكا. الرحلة كانت جزءًا من مشروع Donkey Flights التابع لجمعية إسرائيلية تُدعى Starting Over Sanctuary، بالتعاون مع مؤسسة فرنسية بارزة مثل Fondation Brigitte Bardot.
هذه لم تكن الرحلة الأولى، بل واحدة من عشر رحلات جوية نُفذت حتى يوليو 2025، نُقل خلالها مئات الحمير، وكل واحدة منها حصلت على تذاكرها، وأوراق سفرها، وضمانات برعايتها الطبية والنفسية في أوروبا.

جميل… لكن أيّ عالم هذا الذي يحشد قدرات لوجستية هائلة لإنقاذ حمار، بينما يعجز — أو يتعمد العجز — عن نقل جريح من تحت ركام بيت في دير البلح إلى مستشفى آمن على بعد 40 دقيقة طيران؟ أيّ ضمير هذا الذي يبتسم أمام عدسات الكاميرا وهو يودّع حيوانًا، بينما يشيّع أطفالًا إلى مثواهم في صمت؟

في الوقت نفسه، انشغل الإعلام العالمي بقصة “جيسيكا”، المدربة التي لاقت حتفها في عرض أمام الجمهور على يد حوت أوركا مفترس بطبيعته. غمرت القصة نشرات الأخبار والصفحات الأولى، وذُرفت الدموع على مأساة الثقة التي وُضعت في كائن لا يعرف الرحمة. مأساة حقيقية، نعم، لكن حجم التغطية بدا كأنه احتفاء جماهيري بمشهد “الافتراس المفاجئ”.

وفي غزة، الافتراس ليس مفاجئًا ولا عابرًا. هو عمل يومي، ممنهج، يجري تحت سمع وبصر العالم. هناك، لا يقف الجمهور مذهولًا… بل يختار أن يغلق أذنيه ويغض بصره، حتى لا يرى الأطفال الذين لم ينجُ لهم لا حمار ولا حصان ولا حتى كاميرا.

الصحفيون هناك يقفون بكاميراتهم كما يقف المقاتل بسيفه. كثيرون سقطوا وهم يوثّقون، ليتركوا خلفهم صورًا تُحاول قوى سياسية وإعلامية دفنها تحت ركام التضليل وحملات الإلهاء. فتغدو مجزرة غزة هامشية في الخطاب العالمي، بينما تتصدّر الشاشات مشاهد حوت الأوركا أو “رحلة الحمير” إلى أوروبا.

قد يقول البعض: الرحمة لا تتجزأ، وإنقاذ الحيوانات واجب إنساني. لكن حين تصبح الدموع سخية على حمار بعيد وجافة على طفل قريب، فإننا لسنا أمام رحمة، بل أمام دموع تماسيح. دموع تُسكب علنًا لتغطي على برك دماء تُخفى خلف الكواليس.

هكذا يبدو العالم في زمن البث المباشر: مسبح يُصفّق فيه الجمهور لمشهد التهام جيسيكا، بينما في مسبح آخر، أكبر وأعمق، تُباد غزة أمام جمهور يختار الصمت، ويُغيّر القناة.

Comments (0)
Add Comment