خريف الغضب الأوروبي.. القارة العجوز بين سندان الأزمات الاقتصادية ومطرقة الاضطرابات الأمنية. 

تشهد ست دول أوروبية تحركات احتجاجية متزامنة دفعت بمئات الآلاف إلى الشوارع، وسط تصاعد حدة التوترات الأمنية والمخاوف الاقتصادية التي باتت تهدد استقرار الحكومات، ولم تقتصر هذه التطورات على الصدام بين الشارع والسلطة بفعل غلاء المعيشة وسياسات التقشف، بل تزامنت مع مخاوف أمنية متزايدة واستنفار دفاعي ضد تهديدات خارجية هجينة.

من احتجاجات التعليم وغلاء المعيشة في فرنسا وبلجيكا، إلى مخيمات رفض ارتفاع الإيجارات في البرتغال، تشهد ست دول أوروبية تحركات تتنوع مطالبها بين تحسين الخدمات ومواجهة الأعباء الاقتصادية.

وتشمل الاحتجاجات فرنسا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال وألبانيا وإسبانيا، لكنها لم تبدأ جميعها في توقيت واحد، ولا ترتبط بمطلب موحد؛ إذ انطلقت بعض التحركات من المدارس، فيما تركزت أخرى على السكن والأسعار والسياسات الحكومية.

وأعادت مشاهد النزاعات إلى الأذهان أزمات تاريخية واجهتها القارة؛ حيث رصدت التقارير تفاقماً واضحاً للأوضاع في دول رئيسية، وبينما حافظت تجمعات على طابعها السلمي، شهدت مدن مواجهات مع الشرطة وأعمال نهب وتخريب وإضرام حرائق.

امتدت الاحتجاجات التي انطلقت في فرنسا من قطاع التعليم ونقص موارد المدارس لتتحول إلى ثورة ضد التضخم وخفض الإنفاق العام؛ مما أسفر عن مواجهات عنيفة في باريس واعتقال نحو 2400 شخص، ووصف تقارير المشهد بأن الإدارة تواجه بوادر أزمة دين وتراجع في قيمة السندات شبيهة بأزمة اليورو.

وشارك أكثر من نصف ‌مليون شخص في مسيرات في عشرات المدن، وفق تقديرات وزارة الداخلية، وتخللت التحركات أعمال عنف ونهب وحرائق في عدد من المدن، وفي أنحاء فرنسا، ذكرت وزارة الداخلية أن الشرطة اعتقلت نحو 2400 شخص ‌في الإجمال وأصيب أكثر ‌من 997 من من عناصر الشرطة والدرك، جروح سبعة منهم خطيرة.

وتجددت المواجهات الأحد في ساحة الجمهورية بباريس، حيث نشرت الشرطة فرقة “سي آر إس 8” المتخصصة في مكافحة العنف في المناطق الحضرية، واستخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق متجمهرين، وقال الرئيس إيمانويل ماكرون إن “لا شيء يبرر” العنف، مشددا على محاسبة “من دمروا ومن نهبوا”، وداعيا إلى التمييز بين “المطالب المشروعة” للمحتجين و”مرتكبي أعمال النهب”.

وفي إيطاليا، اندلعت مواجهات بين شبان والشرطة لليوم الثاني على التوالي، الأحد، في وسط ميلانو، على هامش احتجاجات على غلاء المعيشة، وألقى مخربون زجاجات وألحقوا أضرارًا بمتاجر في حي الكاتدرائية، بينما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق مجموعات في المنطقة.

وأوقفت الشرطة نحو 70 شخصًا منذ السبت، بحسب وكالة الأنباء الإيطالية “أنسا”، فيما شهدت بولونيا وتورينو اضطرابات مماثلة، ودعت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إلى اجتماع أمني الاثنين، وقالت إن “التظاهر حق، أما تدمير مدننا فليس كذلك». ووصف رئيس بلدية ميلانو جوزيبي سالا المشهد بأنه يضم “واجهات محطمة ومتاجر منهوبة ومواطنين خائفين”.

وفي بلجيكا والبرتغال واسبانيا وألبانيا تشتعل العواصم بسياسات التقشف التي أثارت سخط النقابات والعمال وجيل الشباب الذين يقودون الحراك في الميادين، وتركزت الاعتراضات على السياسات التعليمية وتخفيضات الميزانية، وبدأت الاحتجاجات بمطالب لتحسين الظروف التعليمية، قبل أن تتسع لتشمل الاعتراض على الفساد والقيادات السياسية.

بالموازاة مع الغليان الداخلي، تعيش العواصم الأوروبية على وقع طوارئ دفاعية غير مسبوقة، إذ اتخد قرار رفع الجاهزية القتالية بعدد من الدول الأوروبية، وتم تجهيز الملاجئ والمنشآت الحيوية لحمايتها من هجمات هجينة محتملة.

كما حذرت شركات التأمين من اتساع رقعة الصراع الروسي الأوكراني واقترابه من حدود دول حلف الناتو، مما يهدد حركة شحن الحبوب والنفط ويدق ناقوس الخطر حول أزمة غذاء عالمية جديدة.

يبدو أن أوروبا لم تعد تواجه مجرد أزمات اقتصادية عابرة أو احتجاجات مطلبية مؤقتة، بل تعيش مرحلة إعادة صياغة لهويتها السياسية والاجتماعية. إن الوقوف بين مطرقة الشارع الثائر ضد الغلاء وسياسات التقشف، وسندان التهديدات الأمنية والجيوسياسية على حدودها الشرقية، يضع الأنظمة الديمقراطية الغربية في أعقد اختبار لها منذ عقود.

ومع استمرار شلل القطاعات الحيوية في عواصم كبرى كباريس وميلانو وبيروت، يظل السؤال القائم: هل تنجح الحكومات الأوروبية في ابتكار توليفة سحرية توازن بين شد الحزام الاقتصادي وتأمين حدودها، أم أن “خريف الغضب” الحالي ليس سوى مقدمة لـ “زلزال سياسي” قد يعصف باستقرار القارة العجوز لسنوات قادمة؟ الأيام والميزانيات المقبلة وحدها تملك الإجابة.

Comments (0)
Add Comment