أمس، وأنا أضع قدمي في الدار البيضاء، جمعتني الصدفة بقيدوم من قامات كرة السلة المغربية؛ الحاج أحمد بوهلال، رجل يعود له الفضل في ترسيخ هذه اللعبة وطنياً، لا بصفته مسيّرًا فقط، بل باعتباره شاهدًا على زمنٍ تشكّلت فيه الرياضة كقيمة تربوية قبل أن تكون فرجة أو استثمارًا.
في اللقاء، ظهر معدن الرجل سريعًا: احتكّ بعلية القوم، ودار في فلك القرار والسلطة، دون أن ينسى جذوره، ولا الطبقة التي أنجبته، ولا الشارع الذي علّمه أولى دروس الحياة. رجلٌ عاصر الاستعمار ثم الاستقلال، وحمل ذاكرة دولةٍ وهو يشهد تحوّلاتها، لا من الكتب، بل من اللحم والدم والتجربة.
امتدّ النقاش إلى مساء الأمس، وكان يستعرض تاريخ المغرب كما عاشه، لا كما كُتب. وفي لحظة صمتٍ قطعتها تنهيدة ثقيلة، قال جملة بدت صادمة للبعض، لكنها كانت صادقة حدّ القسوة:
“رغم كل سلبيات الاستعمار، يُحسب لهم أنه في عهدهم لم يكن هناك متسوّلون.”
لم تكن الجملة تبريرًا، بل مقارنة موجعة. قالها وهو منزعج من مشهدٍ بات مألوفًا: كثرة المتسولين، إلحاحهم عند كل ركن شارع، وعند إشارات المرور، حتى صار الفقر مشهدًا يوميًا بلا إدارة ولا كرامة.
ثم حكى:
كانت هناك حافلة بباب واحد، يقف عنده حارس. كل متسوّل يُضبط، يُرمى في الحافلة، ويُنقل إلى مركز للرعاية الاجتماعية. لم يكن الأمر عقابًا بقدر ما كان تنظيمًا.
تلك المراكز كانت النواة الأولى لما سيُعرف لاحقًا بـالخيرية؛ مؤسسات احتضنت أطفالًا متخلى عنهم، وفّرت لهم الإيواء والتعليم، فصاروا مع الزمن كوادر، لا عالة، وأفرادًا نافعين لأنفسهم ولمجتمعهم.
لم يكن الرجل يتحسّر على زمنٍ مضى، بل كان يطرح سؤالًا مؤلمًا عن زمنٍ نعيشه:
كيف انتقلنا من إدارة الفقر إلى التعايش معه؟
ومن الرعاية إلى التطبيع؟
ومن مشروع إدماج الإنسان إلى تركه على قارعة الطريق؟
حين يتكلم الشاهد، لا يبرّئ أحدًا، لكنه يضع المرآة أمام الجميع.