ليست الصورة دائمًا بريئة، ولا اللحظة عابرة كما يُراد لها أن تكون. أحيانًا تكفي لقطة واحدة لتفجير أسئلة مؤجلة، وكشف تناقضات متراكمة، وإسقاط أقنعة اعتدنا النظر إليها بوصفها جزءًا من المشهد الطبيعي.
الصورة التي أثارت جدلًا واسعًا، لرئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان وهي محمية بمظلة، بينما يتحمل مرافقها المطر كاملًا، لم تكن مجرد مشهد بروتوكولي كما حاول البعض ترويضه، بل تحولت إلى رمز مكثف لفجوة عميقة بين الخطاب الحقوقي والممارسة اليومية.
لم يكن الاعتراض على “المظلة”، بل على من يحتمي ومن يتحمّل، وعلى ما تقوله الصورة دون أن تنطق.
في زمن أصبحت فيه الصورة أكثر فصاحة من البيان، لم يعد كافيًا أن تُكتب التقارير أو تُرفع الشعارات. التفاصيل الصغيرة، اللاواعية، هي التي تفضح ما ترسّخ في الذهنية السلطوية، حتى داخل مؤسسات يُفترض أنها وُجدت لمساءلة السلطة لا لإعادة إنتاج رموزها.
وفي سياق متصل، لا تبدو مفارقة اليسار أقل حدّة.
فعدد من أمناء أحزاب اليسار والتيارات الماركسية باتوا اليوم محترفين في التناقض، ليس فقط على مستوى الخطاب، بل حتى على مستوى الهيئة الجسدية. أوداج منتفخة، بطون بارزة، وملامح رفاه لا تخطئها العين، تحاول عبثًا إقناعنا بأنها ما زالت تنتمي إلى قيم البروليتاريا والكادحين.
غاب العامل عن الصورة، كما غابت المعاناة عن اللغة، وبقيت الشعارات تُستعمل كزينة خطابية من داخل الامتياز.
يسار يُهاجم الرأسمالية من مقاعد مريحة، وينتقد التفاوت من داخل شبكات النفوذ، حتى صار الجسد نفسه شاهدًا على انفصال المرجعية عن الواقع.
أما الناطقون بخلفية دينية، فلا يقلّون براعة في هذا الفن.
يحاولون إقناعنا بأن الدين لا يتجاوز محراب الصلاة، وأن السياسة مجال محايد، في الوقت الذي يظل فيه خطابهم مشبعًا بإشارات دينية تُستعمل عند الحاجة: للتعبئة حينًا، للشرعنة حينًا آخر، ولتبرير الصمت حين يقتضي المقام ذلك.
هكذا نجد أنفسنا أمام مشهد سياسي مأزوم:
حقوق إنسان بلا حساسية إنسانية يومية،
يسار بلا يسار اجتماعي،
ودين بلا سياسة… في الخطاب فقط.
إنها سكيزوفرينيا سياسية جماعية، حيث تنقلب الرموز على معانيها، وتتحول المرجعيات إلى علامات تجارية، تُستدعى حسب الظرف وتُركن عند انتفاء الحاجة.
والأخطر من كل ذلك، ليس هذا التحول في حد ذاته، بل تطبيعه، وتقديمه كأمر عادي، في مشهد لم يعد يخجل من تناقضاته، ولا يشعر بالحاجة إلى الاتساق بين ما يُقال وما يُجسَّد.
ليست المشكلة مظلة، ولا بطنًا منتفخة، ولا خطابًا مزدوجًا فقط…
بل منظومة كاملة فقدت الحرج، وتعايشت مع الانفصام، واعتبرته مهارة سياسية.
فعلا، هناك فرق بين المبدأ و …..