في السادس عشر من ماي 2025، نظم القنصل العام للمملكة المغربية في بروكسيل أمسية مؤثرة ومفعمة بالرمزية، خصصت لفصل غالباً ما يتم تجاهله رغم أهميته في التاريخ المشترك بين المغرب وأوروبا: مشاركة الجنود المغاربة إلى جانب الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية. وقد جاءت هذه الأمسية في إطار رغبة حقيقية في نقل هذه الذاكرة بين الأجيال والاعتراف بتضحيات رجال قدموا من بعيد للدفاع عن أرض ليست أرضهم.
في كلمته الافتتاحية، شدد السيد القنصل العام حسن التوري على أهمية هذا اللقاء، مذكراً بالنداء التاريخي للمغفور له جلالة الملك محمد الخامس الذي دعا الشعب المغربي إلى دعم قوات الحلفاء. وأبرز ضرورة ترسيخ هذه الذاكرة في وجدان الأجيال الصاعدة ليُقدّروا ثمن التضحيات التي بُذلت حتى نعيش اليوم في ظل الحرية.
تواصلت الأمسية بعرض أولي للفيلم القصير هروب 1944، من إخراج السيد سعيد حسبي. وقد قدم هذا الفيلم، المستوحى من قصة حقيقية، إعادة تصوير مؤثرة لمسار الجنود المغاربة خلال الحرب. وشارك الممثلون الحاضرون تجاربهم وانفعالاتهم، مؤكدين أن الفن يمكن أن يكون أداة قوية لنقل الذاكرة وتحفيز الوعي عبر التأثير العاطفي.
عقب عرض الفيلم، شهدت الأمسية لحظة مؤثرة تمثلت في تقديم السيد أحمد أحسّين، أحد المحاربين القدامى المغاربة في حملة الهند الصينية. وقد قوبلت حضوره بالتقدير والتأثر، ليُذكّرنا بندرة وثمن الشهادات الحية التي تشهد على التاريخ، وضرورة الحفاظ عليها قبل أن تختفي.
ثم ألقى المؤرخان العربي ختوتة وبرنارد بورتو مداخلتين غنيتين قدّما من خلالهما عرضاً تاريخياً شاملاً لمسار الجنود المغاربة الذين التحقوا بصفوف الحلفاء. واستند العرض إلى أكثر من عشرين عاماً من البحث الدقيق، تُوِّج بصدور مؤلف موثق تضمن وثائق نادرة وشهادات مؤثرة شدت انتباه الحضور. وقد شدد الأستاذ ختوتة على أهمية تحفيز فضول الشباب لاكتشاف هذا الجزء المهم من التاريخ.
أما الفنان والممثل رضى الشبشوبي، المعروف بانخراطه في توثيق ذاكرة قدماء المحاربين، فقد تقاسم شهادة شخصية قوية حول لقائه الأخير ببعض المحاربين المغاربة. كما قدم عمله المسرحي الرماة، الذي يُعرض حالياً في بروكسيل، والذي يعالج بأسلوب عميق تداعيات الحرب على الأفراد وأسرهم، وبناء الهوية ونظرة الآخر. ويُعد هذا العمل رسالة موجهة للشباب، محملة بقيم السلم والاحترام والوفاء للذاكرة.
وقد اختتمت الأمسية بنقاش مفتوح مع الجمهور، تميز بغناه وعمقه العاطفي، مما يعكس الاهتمام المتزايد بالذاكرة المشتركة بين المغرب وبلجيكا. ومثّلت مشاركة شباب من الجالية، وباحثين، وفنانين، وممثلين عن المجتمع المدني، دليلاً واضحاً على وجود جيل جديد واعٍ بالتحديات، مرتبط بجذوره، ومؤمن بضرورة نقل التاريخ للأجيال القادمة.
سميرة آيت الباز