في التاريخ، كما في كرة القدم، لا تُحسم المعارك دائمًا بمنطق الغالب والمغلوب. أحيانًا يُكتب التاريخ عبر لحظة رمزية قادرة على الجمع بين طرفين متناقضين، كما حدث في صيف 2006، حين وقف زين الدين زيدان وجهاً لوجه أمام جانلويجي بوفون في نهائي كأس العالم.
حينها نفّذ زيدان ضربته الشهيرة “بانينكا”، تلك اللمسة المدهشة التي ارتطمت بالعارضة قبل أن تسقط داخل المرمى. لحظة بدت وكأن الزمن توقف فيها؛ زيدان سجّل حضوره دون أن يخسر كرامته كلاعب أسطوري، وبوفون لم تُهتز شباكه بالمعنى الذي يكسر هيبة الحراس. مشهد واحد جمع بين الجرأة والانضباط، بين المغامرة والحكمة.
اليوم، في المغرب، يبدو هذا المشهد استعارة دقيقة للأزمة الراهنة بين جيل Z الطموح والحكومة التي تخشى على هيبتها.
جيلٌ جديد يشبه زيدان في تلك اللحظة: جيل واثق، جريء، لا يبحث بالضرورة عن “الانتصار” بمعناه الصدامي، بقدر ما يسعى إلى إثبات وجوده وتسجيل موقفٍ تاريخي يُظهر أنه شريك في صناعة المستقبل.
في المقابل، تبدو الحكومة مثل بوفون: حارسة لمرمى الاستقرار، تخشى أن يُفهم أي تنازل على أنه اهتزاز للهيبة، أو إشارة إلى ضعف السلطة أمام الشارع.
بين الطرفين، تتكوّن معادلة معقدة لكنها ممكنة: تسجيل بلا اهتزاز.
الحل لا يكمن في سحق طرفٍ للآخر، بل في بناء توازنٍ ذكي يقوم على ثلاث ركائز واضحة:
1. اعتراف صريح بحق الشباب في التعبير والمشاركة.
2. إصلاحات ملموسة تُظهر أن صوت الشارع مسموع، لا مهمل.
3. حفاظ الدولة على صورتها عبر تقديم الإصلاح كخيار استراتيجي، لا كتنازل اضطراري.
بهذه الطريقة، ينتصر الشباب دون أن تهتز الشباك، وتحافظ الدولة على هيبتها دون أن تخنق روح المبادرة.
قبل أيام، وجدت نفسي في نقاش مع ابني المولود سنة 2004، أحد أبناء هذا الجيل الذي أكتب عنه. فاجأني بوعيٍ سياسي عميق، إذ قال وهو يتحدث عن الدعوات لإلغاء كأس إفريقيا وكأس العالم:
” من الحماقة الدعوة إلى إلغاء بطولتي كأس إفريقيا وكأس العالم بعد كل هذه الإستثمارات ولكن الذكاء السياسي هو أن نستغل الحدثين لإسترجاع ما صرف ……”
كلماته كانت اختصارًا لجوهر ما يميّز جيل Z: البراغماتية، لا العدمية. لا يسعى إلى الهدم، بل إلى توجيه البوصلة نحو البناء العقلاني. يريد أن يكون شريكًا في القرار لا مجرد متفرج على الميدان.
وهنا تكمن الفرصة الكبرى: فبدل أن يُنظر إلى هذا الجيل كتهديد، يجب أن يُعامل كـ”فرصة وطنية” لتجديد الدماء في العمل العام.
تمامًا كما حدث في ضربة زيدان، يمكن للطرفين أن يخرجا منتصرين:
الكرة تتجاوز الخط، فيتحقق هدف التغيير،
لكن الشباك لا تهتز، فتظل هيبة الدولة محفوظة.
السياسة، مثل كرة القدم، ليست دائمًا لعبةً بمغلوب. أحيانًا تكون أجمل لحظاتها تلك التي تجمع بين الفن والذكاء، بين الجرأة والانضباط، بين زيدان وبوفون.
وفي المغرب اليوم، بين جيل Z والدولة، يمكن كتابة النهاية نفسها:
تسجيل بلا اهتزاز.