في كل رمضان، تتحول الشاشة إلى مائدةٍ ثانية. نجتمع حولها كما نجتمع حول الشربة، نختلف حولها كما نختلف حول الملح والسكر، لكنها تبقى جزءًا من الطقس الجماعي. غير أن هذا العام، لم تكن المشاهدة عادية بالنسبة لي. من أريكتي في شمال أوروبا، وأنا أتنقل بين القنوات بحثًا عن صورةٍ تعيدني إلى المغرب الذي أعرفه، وجدت نفسي أمام أسئلة أكبر من مسلسل.
الحديث هنا عن بنات أمي منانة ليس من باب الهجوم، بل من باب القلق. قلقٍ من طريقة طرح بعض القضايا الحساسة، ومن الإحساس بأن هناك تطبيعًا هادئًا مع أنماط سلوكية تصطدم مع الهوية المحافظة التي نشأتُ فيها.
لنكن واضحين:
الدراما ليست مطالبة بأن تكون واعظًا أخلاقيًا.
وليست مطالبة بأن تجمّد المجتمع في صورة مثالية.
لكنها أيضًا ليست بريئة تمامًا من التأثير.
حين تُطرح علاقات ملتبسة أو غير متوازنة في سياق عاطفي مخفف، دون تفكيك أخلاقي واضح أو إبراز تبعات حقيقية، يتحول العرض من تصوير واقعٍ إلى إعادة تشكيله. المشكلة ليست في عرض الخطأ، بل في طريقة إضاءته. هل يُقدَّم كأزمة تستحق النقاش؟ أم كتحول طبيعي ينبغي الاعتياد عليه؟
المجتمع المغربي محافظ بطبيعته، نعم، لكنه ليس كتلة صماء. هو مجتمع يتغير، يهاجر، يتعلم، ويتفاعل مع العالم. غير أن التغيير حين يحدث عبر الفن، ينبغي أن يُحاط بوعي نقدي، لا أن يُمرر في سياق تطبيعي ناعم يجعل الصدمة الأولى مجرد ذكرى.
ثم هناك مسألة الاستفزاز الثقافي.
عندما يخرج بعض الوجوه الإعلامية للتصريح بعدم الصيام، فإن الصيام في جوهره علاقة شخصية بين الإنسان وربه. لكن المجاهرة تتحول إلى رسالة رمزية، خاصة في شهرٍ له قدسيته الجماعية. هنا لا يعود النقاش دينيًا فقط، بل اجتماعيًا: هل نناقش الظاهرة بهدوء؟ أم نحولها إلى معركة هوية؟
الخطر ليس في الاختلاف.
الخطر في الاستقطاب.
فإذا تحولت كل دراما إلى مؤامرة، خسرنا قدرتنا على النقد الموضوعي.
وإذا تعاملنا مع كل نقدٍ باعتباره رجعية، خسرنا قدرتنا على التوازن.
الهوية لا تُهدم بمسلسل، لكنها قد تتآكل إن غاب النقاش.
كما أنها لا تُحمى بالشعارات، بل بالثقة بالنفس، وبالقدرة على التمييز بين ما يعكس المجتمع فعلًا وما يسعى لتوجيهه.
من أريكتي البعيدة، أدركت أن الغربة ليست فقط جغرافية.
هي شعورٌ بأن الصورة التي تُعرض باسمنا لا تشبهنا بالكامل.
لكن الحل ليس الهروب من الشاشة، ولا الصراخ في وجهها.
الحل في رفع مستوى النقاش حولها.
رمضان ليس فقط شهر صيام، بل شهر مراجعة.
ربما علينا أن نراجع ليس فقط ما نأكله، بل ما نشاهده، وكيف نشاهده، ولماذا يؤثر فينا.
فالهوية القوية لا تخاف من الفن،لكنها لا تتنازل عن حقها في مساءلته.