في قاعة انتظارٍ لا تنتمي إلى وطنٍ بعينه، ولا إلى زمنٍ مستقر، حيث تُقاس الدقائق بموعد الإقلاع، استوقفني مشهدٌ صغير في حجمه، عميق في دلالته.
شخصان، من جيلين مختلفين، شابٌ في مقتبل العمر وكهلٌ يحمل وقار السنين، يجمعهما التدين وتفرّقهما الأعمار. لفّا على ساعديهما شريطًا أسود، ورتّلا صلواتٍ يهودية في خشوعٍ كامل، كأن الضجيج المحيط قد انسحب احترامًا، أو كأنهما انسحبا عنه إلى زاويةٍ غير مرئية.
ذلك الشريط الأسود لم يكن زينة ولا علامة تميّز، بل رابطًا صامتًا بين الجسد والمعنى؛ بين الفعل والإيمان. وفي فضاءٍ مختلطٍ بالمعتقدات واللامعتقدات، حيث يتجاور المؤمن، ومن لا إيمان له والعابر بلا أسئلة، اختارا أن يعلنا انتماءهما الروحي بلا ضجيج، بلا ادّعاء، وبلا خوف ظاهر.
كان يفصلهم عن الطائرة زجاجٌ شفاف وبضع دقائق. غير أن الزجاج لم يكن حاجزًا، بل استعارة: بين الأرض والسماء، بين القلق والطمأنينة، بين عبورٍ ماديٍّ ولقاءٍ معنوي. هناك، في تلك اللحظة الهشّة قبل الإقلاع، صعدا إلى برزخ الخشوع؛ مساحة لا تُرى، لكنها تُحَسّ.
في زمنٍ تتنامى فيه ما يمكن تسميته ” الدينوفوبيا ” أو الخوف من الدين، ويُختزل فيه التدين أحيانًا في صور التطرف، يتردد كثيرون في البوح بمعتقدهم، لا ضعفًا في الإيمان، بل خوفًا من سوء التأويل. هنا يغدو الخشوع فعلًا شجاعًا، وتغدو الصلاة مقاومةً صامتة ضد التعميم والقسوة. لم يطلب أحدٌ اعترافًا، ولم يفرض أحدٌ معنى على غيره؛ كان ثمّة فقط إنسانان يخففان حملهما قبل الرحلة.
ماذا لو أُتيح لكل إنسان أن يمارس طقسه في زاويةٍ من خلوته الذاتية، حيثما وجد؟
لن يتحول المطار إلى معبد، ولن يحتل الإيمان الفضاء العام. بل سيستعيد المكان إنسانيته، ويصبح الاعتراف بالاختلاف جزءًا من كرامة العبور. من يصلي لا يطالب بامتياز؛ هو فقط يبحث عن اتزانٍ داخلي قبل أن تُغلق الأبواب وتبدأ رحلة الإرتقاء إلى السماء.
الشريط الأسود، وهو يلتف من اليد عبر الذراع، ليس مجرد أثرٍ طقوسيّ، بل مسارٌ رمزيّ:
من اليد حيث القوة والفعل،
إلى الذراع حيث الامتداد والمسؤولية،
ثم إلى القلب… حيث المراقبة الذاتية، وضبط النزوات، ومساءلة النية.
طقسٌ أعجبني في أبعاده العميقة، لا من باب الالتزام به، بل من باب فهم ما يريد الإنسان ترويضه في داخله:
أن لا تسبق اليدُ القلب،
ولا ينفلت الفعل من رقابة المعنى.
في زمنٍ صار فيه الجسد أداة اندفاع، والقوة غايةً بلا بوصلة، يذكّر هذا الشريط الأسود بأن الفعل بلا وعي خطر، وبأن أقسى أشكال القوة… هي تلك التي تُمارَس على الذات أولًا.
بعد نهاية الكان، وما تلاها من أحداثٍ مأساوية، لم تنصرف كثير من الصفحات إلى تضميد الجراح أو ترميم المعنى، بل اندفعت في سباقٍ محموم نحو اللايكات، وفي البحث عن الترند ولو على حساب الحقيقة والدم.
شُحذت الألسنة بكل لغات العالم، لا لتفسير ما جرى، بل لخلق عداواتٍ جديدة، تتقن فن زرع الفتنة والعنصرية، وتقتات—ببرودٍ صادم—على دماء الأخوة.
في هذا الضجيج، لم تعد الكرة كرة، ولا الخسارة خسارة، بل تحولت إلى وقودٍ لسرديات الكراهية؛ يُكافأ فيها الأكثر تطرفًا، ويُدفن صوت العقل تحت ركام التفاعل السريع. صارت الكلمة رصاصة، وصار “النشر” فعلًا بلا قلب، وبلا مساءلة.
هنا يفرض السؤال نفسه، بسيطًا في صياغته، عميقًا في معناه:
ماذا لو تم تعميم الطقس؟
لا طقسًا دينيًا، بل طقسًا إنسانيًا جامعًا.
ماذا لو لُفَّت كل الألسنة بشريطٍ أسود،
يمتد من الفم—حيث تولد الكلمة،
عبر الذراع—حيث يتحول القول إلى فعل،
إلى القلب—حيث النية والمراقبة الذاتية؟
ليس لمنع الكلام،
بل لإخضاعه للمساءلة.
ليس لإسكات الاختلاف،
بل لحمايته من الانزلاق إلى الإهانة والكراهية.
شريطٌ رمزيّ يذكّر بأن الكلمة فعل،
وأن الفعل مسؤولية،
وأن ما لا يمرّ عبر القلب
قد يتحول—بسهولة مخيفة—إلى سلاح.
ربما لو التفت الألسنة قبل الأصابع،
ولو سُئل القلب قبل الضغط على زر “نشر”،
لبقي الخلاف خلافًا،
ولما تحوّل إلى فتنة،
ولا إلى عنصرية،
ولا إلى دمٍ يُستثمر في سوق الترند.
هذه ليست دعوة للصمت، بل دعوة لإعادة الكلمة إلى حجمها الأخلاقي.
ففي زمن الضجيج، أخطر ما يمكن أن نخسره ليس مباراة… بل إنسانيتنا.