كجمولة منت أبي… حين تقترب السياسة من لحظة الإنصاف التاريخي.

ونحن على بعد أسابيع – أو ربما خطوات – من نقطة انعطاف في سيرورة تمتد لأكثر من اثني عشر قرناً من تاريخ الدولة المغربية، يطفو سؤال من عمق اللحظة لا من هامشها:

هل يمكن أن تقود امرأة صحراوية، عاشت شرق وغرب الجدار، حزباً سياسياً مغربياً؟

ليس السؤال هنا عن شخص كجمولة منت أبي فقط، بل عن تحول بنيوي في منطق الدولة نفسها.

بين قرار مجلس الأمن 2797، وترسيخ الحكم الذاتي كأفق وحيد للتفاوض، لم يعد ملف الصحراء مجرد نزاع ترابي، بل تحول إلى مختبر لإعادة صياغة النخب، والشرعية، والتمثيلية.

سيرة تتجاوز الشخص إلى الرمز, كجمولة منت أبي ليست مجرد فاعلة سياسية عادية.

هي ابنة مرحلة إسبانيا ونتاج تجربة مخيمات تندوف، ثم ثمرة عودة إلى الوطن في لحظة تاريخية فتح فيها الراحل الحسن الثاني باب الرجوع.

هذه المسارات الثلاثة لا تصنع سيرة فقط، بل تصنع شرعية مركبة:

شرعية المعاناة، شرعية التجربة داخل البوليساريو وشرعية الاندماج داخل الدولة المغربية

وهي تركيبة نادرة في مشهد سياسي غالباً ما يُتهم بالانفصال عن الواقع.

حين التحقت بوزارة الإعلام تحت إشراف إدريس البصري، لم تكن مجرد موظفة، بل كانت تلامس أحد أكثر الملفات حساسية: كيف تُبنى الرواية الرسمية؟

ثم جاء البرلمان، أولاً مع الحركة الشعبية، ثم مع حزب التقدم والاشتراكية، لتؤكد أن انتقالها لم يكن انتهازياً، بل كان بحثاً عن موقع فكري وسياسي منسجم.

في هذه المرحلة، بدأت ملامح شخصية سياسية تتشكل: امرأة لا تكتفي بالتمثيل، بل تسعى إلى التأثير.

السياسيون يُعرفون في لحظات الرخاء، لكن يُقاسون في لحظات التوتر. ففي أحداث أكديم إزيك، اختارت كجمولة أن تخرج عن الصمت، وأن تنتقد طريقة التدخل الأمني، مفضلة منطق الحوار.

هنا لم تكن فقط معارضة لقرار، بل كانت: صوتاً يزاوج بين الانتماء للدولة والوفاء للعدالة.

وهذا ما كلفها الكثير:

اتهامات، حملات تخوين ومحاولات إسقاط رمزي

لكن في المقابل، منحها شيئاً لا يُشترى:

المصداقية.

استمرارها في الدفاع عن معتقلي إزيك، وزياراتها لهم، ومطالبتها بمحاكمة مدنية، يضعها في موقع نادر:

ليست في صف المعارضة التقليدية،

وليست أيضاً في صف الاصطفاف الرسمي الكامل.

بل في منطقة ثالثة تحتاجها الدولة اليوم أكثر من أي وقت مضى:

منطقة الوساطة الذكية.

اليوم، ومع اقتراب تنزيل فعلي للحكم الذاتي، لم يعد السؤال: من يدافع عن الصحراء؟

بل أصبح: من يمثلها بصدق؟

وهنا تبرز كجمولة كاحتمال سياسي لا يمكن تجاهله:

امرأة صحراوية، عائدة من تندوف، مندمجة في الدولة

ولها خطاب مفهوم داخل الداخل والخارج

هذه ليست مجرد سيرة… بل أداة سياسية جاهزة لمرحلة جديدة.

 

إذا وصلت كجمولة منت أبي إلى قيادة حزب التقدم والاشتراكية، فلن يكون ذلك انتصاراً فردياً، بل سيكون:

اختباراً لمدى استعداد الدولة لإعادة توزيع رموزها.

لأن المسألة ليست: هل تستطيع كجمولة القيادة؟

بل: هل النظام السياسي مستعد لأن تقوده رمزية من هذا النوع؟

لحظة لا تتكرر في السياسة، هناك أشخاص يمرون عبر التاريخ…

وهناك من يصبحون جزءاً من تحوله.

كجمولة منت أبي تقف اليوم على هذا الحد الفاصل.

فإما أن تتحول إلى: جسر بين مغربين: مغرب الأمس ومغرب الحكم الذاتي، أو تبقى: فرصة مرة أخرى في سجل الإصلاحات المؤجلة.

وفي زمن التحولات الكبرى، لا يُطرح السؤال: من يستحق؟

بل من تجرؤ الدولة على منحه الفرصة؟

Comments (0)
Add Comment