تطورات النسيج اللغوي المغربي عبر العصور ودور الجالية المغربية في إثرائه

بقلم الأستاذ سمير رشاد مدرس لغات، باحث ومترجم. 

يتميز المشهد اللغوي المغربي بتنوع فريد يعكس تاريخًا غنيًا بالتفاعلات الحضارية، حيث تتعايش اللغات الأمازيغية والعربية بلهجاتها،  مع حضور اللغات الأجنبية خاصة الفرنسية والإسبانية والإنجليزية

يتميز المشهد اللغوي المغربي بتنوع فريد يعكس تاريخًا غنيًا بالتفاعلات الحضارية، حيث تتعايش اللغات الأمازيغية والعربية بلهجاتها، مع حضور اللغات الأجنبية خاصة الفرنسية والإسبانية والإنجليزية.
كانت الأمازيغية ما قبل الإسلام وفي العصر القديم هي اللغة السائدة بمختلف تنوعاتها (تاشلحيت، تامازيغت، تاريفيت) بعد ذلك جاءت التأثيرات الفينيقية والرومانية عبر الموانئ والمستوطنات التجارية مما جعل المغاربة آنذاك يستخدمون تيفيناغ من أجل كتابة الأمازيغية والتي تعتبر أقدم نظام كتابة معروف في المغرب.
بعد الفتح الإسلامي (القرن 7-8 م) دخلت اللغة العربية كلغة دين وإدارة وبعد ذلك بدأت عملية التعريب التدريجي في المدن والحواضر مع استمرار الأمازيغية كلغة تخاطب يومية في معظم المناطق ومع تعاقب الدول الإسلامية عرفت اللغة العربية الفصحى ازدهارا في العلوم والأدب في كل من مراكش، فاس وسجلماسة كما تطورت اللهجة العربية المغربية بمزيج عربي أمازيغي تلتها بعد ذلك تأثيرات أندلسية واضحة بعد سقوط الأندلس في القرن 15 دون نسيان حضور اللغة العبرية في المجتمعات اليهودية المغربية.
في العصر الحديث تأثر النسيج اللغوي المغربي بمجيء المستعمر الأوروبي حيث انتشرت اللغة الفرنسية في الوسط والشمال، واللغة الإسبانية في الشمال والصحراء المغربية الشيء الذي أدى إلى ازدواجية اللغة: العربية الفصحى كلغة رسمية للبلاد خصوصا في مجال التعليم والعربية المغربية ( الدارجة) كلغة تواصل يومي.
بعد مجيء الاستعمار الفرنسي(1912-1956) تم فرض الفرنسية في الإدارة والتعليم العالي إلى أن حصل المغرب على استقلاله سنة 1956 حيث بدأت المملكة المغربية مند السبعينيات في تعريب الإدارة والتعليم وبعد ذلك تم الاعتراف الدستوري بالأمازيغية كلغة رسمية في دستور 2011 وتم إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية من خلال ظهير شريف رقم 299-01-1 (17 أكتوبر 2001) صادر في 29 من رجب 1422 و وشرعت وزارة التربية والتعليم في تعليم الأمازيغية بالمدارس واستخدام تيفيناغ مما عزز التعددية اللغوية في المغرب وشجع على قيم تعايش العربية الفصحى، العربية المغربية (الدارجة)، الأمازيغية، الفرنسية و صعود الإنجليزية كلغة عالمية وتأثيرها على التعليم العالي.
كل هذه التطورات ساهمت بشكل كبير في إثراء الفكر والإبداع وشجعت على تبادل الأفكار والرؤى بين الثقافات كما أطلقت العنان للإبداع في مجالات مثل الفنون، الأدب، الموسيقى و العلوم.
ومن مزايا هذا التنوع اللغوي أنه كسر الصور النمطية و بنى جسورا من التعاون والاحترام المتبادل بين وطننا الحبيب وسائر شعوب العالم كما أبان على تقاليدنا العريقة التى تقوم على تعزيز التسامح والتفاهم والانفتاح على ثقافات أخرى مما يقلل من التحيز والتعصب.
لايجب أن ننسى دور الجالية المغربية في إغناء الرصيد اللغوي والثقافي المغربي خصوصا في فترة الثمانينيات وأوائل التسعينيات حيث كان الولوج إلى الشبكة العنكبوتية نادرا إن لم نقل منعدما فقد كان المهاجر المغربي يأتي مرة كل سنة لقضاء العطلة الصيفية مع أفراد عائلته وكانت الأحياء تعج بسيارات تحمل أرقاما أجنبية وكنا نسمع أطفالهم يتكلمون لغات أجنبية بطلاقة : الفرنسية،الإيطالية، الهولندية، الألمانية، الإسبانية، وبعض الأحيان اللغة الإنجليزية فقد كانوا مصدر إلهام لإخوانهم في أرض الوطن حيث كانوا لايكفون عن التواصل مع بعضهم البعض صغارا وكبارا في الأزقة والمخيمات وقد كان ذلك الإحتكاك محفزًا قويًا لكثير من الشباب للسعي نحو تحقيق أهداف جديدة، والتطلع إلى التطوير الذاتي المستمر، وعدم الاستسلام للروتين.
يتميز الواقع اللغوي الحالي باتخاذ العربية والأمازيغية كلغتين رسميتين للبلاد وتبقى الدارجة كلغة تخاطب مشتركة في حين أن الفرنسية مازالت تستعمل في إدارة جل المؤسسات وقطاع التعليم العالي، أما الإسبانية فما زالت آثارها قائمة في بعض مناطق الشمال المغربي وتعتبر الإنجليزية لغة صاعدة تفرض نفسها يوم بعد يوم وذلك بفضل التطور العلمي الذي تعيشه بلادنا وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي.
يمثل النسيج اللغوي المغربي نسيجًا حيويًا متطورًا يعكس عمق التاريخ المغربي و تعدد الروافد الحضارية، وهو مستمر في دفع عجلة الاقتصاد من خلال جذب السياحة، وتعزيز التجارة الدولية، وخلق فرص عمل في مجالات مثل التراث والفنون واللغات، كما يعمل على تحسين جودة الحياة حيث توفر الثقافات المختلفة أنماط عيش وطرقاً متنوعة للتعامل مع الحياة، مما يوسع الخيارات المتاحة للأفراد في مجالات مثل الغذاء، الترفيه، الفلسفة، والصحة. عندما يتم احترام التنوع وإدارته بشكل إيجابي، فإنه يعزز الشعور بالانتماء والتماسك الإجتماعي مع الحفاظ على الهويات الفرعية. التطور المعرفي يعد كذلك من إيجابية تنوع النسيج اللغوي فكلما تعرض الأفراد منذ الصغر لأكثر من لغة أو ثقافة كلما أصبح تفكيرهم أكثر مرونة.
مع كل ما تم ذكره تبقى هناك تحديات بسبب إشكالية لغة التدريس بين العربية والفرنسية و تعزيز مكانة الأمازيغية في الفضاء العام تحت تأثير العولمة والرقمنة على المشهد اللغوي الشيء الذي يستوجب علينا كمغاربة التأقلم مع التغيرات العالمية مع الحرص على حماية تراثنا اللغوي المغربي المتنوع.

Comments (0)
Add Comment