السفير… واجهة الدولة وصوتها الرسمي في الخارج
بقلم: ذ. محمد جباري
أول سفير مغربي مثّل المغرب في أوروبا كان في عهد السلطان المولى إسماعيل، حيث أرسل مبعوثين إلى إسبانيا وفرنسا في أواخر القرن السابع عشر. أبرزهم أحمد بن قاسم الغسّاني إلى مدريد سنة 1690، وعبد الله بن عائشة إلى باريس في نفس الحقبة.
إذن، يمكن القول إن الغسّاني هو أول سفير مغربي رسمي إلى إسبانيا، بينما ابن عائشة هو أول سفير مغربي رسمي إلى فرنسا. كلاهما جسّد بداية الحضور الدبلوماسي المغربي في أوروبا خلال القرن السابع عشر، في إطار سياسة المولى إسماعيل التي اعتمدت على المفاوضة وتبادل الأسرى وبناء علاقات مع القوى الأوروبية.
يُعد السفير أعلى ممثل دبلوماسي لدولته لدى الدولة المعتمد لديها، ويضطلع بمهمة محورية في تجسيد السياسة الخارجية لبلاده، وحماية مصالحها، وتعزيز حضورها ومكانتها في العلاقات الدولية. فدوره لا يقتصر على البروتوكول والتمثيل الرمزي، بل يمتد ليشمل أبعاداً سياسية واقتصادية وثقافية وإنسانية متشابكة.
ويمثل السفير رئيس الدولة وحكومتها بشكل رسمي، حيث يعمل على نقل مواقف بلاده وتوجهاتها إلى السلطات المختصة في الدولة المضيفة، ويحرص على توطيد العلاقات الثنائية، وتطوير قنوات الحوار والتعاون، بما يخدم المصالح المشتركة ويحافظ على الاستقرار والاحترام المتبادل.
وفي الجانب السياسي والدبلوماسي، يتولى السفير مهمة متابعة الأوضاع العامة في الدولة المضيفة، وتحليل تطوراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ورفع تقارير دقيقة إلى بلاده، بما يساعد صناع القرار على بلورة مواقف مبنية على معطيات واقعية. كما يضطلع بدور أساسي في الدفاع عن القضايا الوطنية في المحافل الرسمية، وفي إطار احترام القوانين الدولية وأعراف العمل الدبلوماسي.
ولا يقل دور السفير أهمية في مجال حماية مصالح المواطنين، إذ يسهر، بتنسيق مع المصالح القنصلية، على رعاية شؤون رعايا بلاده، والدفاع عن حقوقهم، والتدخل الدبلوماسي عند الاقتضاء، وفق القوانين الجاري بها العمل والاتفاقيات الدولية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يساهم السفير في تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين، من خلال الترويج للمؤهلات الاقتصادية، وتشجيع الاستثمارات، ومواكبة الفاعلين الاقتصاديين، بما يخدم التنمية ويعزز الشراكات الاستراتيجية.
كما يشكل السفير ركيزة أساسية في الدبلوماسية الثقافية والإعلامية، حيث يعمل على التعريف بثقافة بلاده وتراثها وقيمها الحضارية، وتنظيم الأنشطة الثقافية والفنية، وبناء صورة إيجابية عن وطنه لدى الرأي العام المحلي والدولي، باعتبار الثقافة أداة فعالة للتقارب بين الشعوب.
ويمارس السفير جميع هذه المهام في إطار احترام سيادة الدولة المضيفة، والالتزام باتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يعكس أخلاقيات العمل الدبلوماسي وقيمه.
وفي المحصلة، يشكل السفير واجهة الدولة وصوتها الرسمي في الخارج، وتُقاس نجاعته بقدرته على التوفيق بين الدفاع عن مصالح بلاده، وترسيخ علاقات قائمة على الثقة والاحترام، وجعل الدبلوماسية أداة للتقارب والتعاون بدل الصراع
كثر الحديث مؤخرا عما بات يعرف بـ”الدبلوماسية الناعمة” ودورها في خدمة مصالح الدولة، وتقديم صورة مشرفة ولائقة لدى الآخر، ونظرا لامتداد وشمولية هذا النوع من الدبلوماسية إلى كافة المجالات تقريبا، حيث نجد الدبلوماسية الرياضية، والدبلوماسية الثقافية، والدبلوماسية الدينية، والدبلوماسية الفنية… إلخ، حتى أنه يمكن القول – والحالة هاته – أن الجميع باتوا دبلوماسيين وسفراء لبلدهم بشكل أو بآخر، إلى جانب السفراء الرسميين، كما أن النجاحات اللافتة والباهرة التي حققتها الدبلوماسية المغربية في الآونة الأخيرة، والتي تقلق البعض، ومنها – بطبيعة الحال – افتتاح قنصليات أجنبية في الصحراء المغربية، وإقناع عدة دول بالتراجع عن مواقفها السابقة من القضية المغربية الأولى، وبوجاهة وواقعية الحكم الذاتي.. أسباب تدعونا للوقوف عند طبيعة الدبلوماسية المغربية، ومساءلة تطورها التاريخي.
لقد شكلت السفارة على مر التاريخ حلقة أساسية في تواصل الدول وانفتاحها على بعضها، سواء من حيث التمثيل الدبلوماسي للدولة في الخارج، أو فيما يتعلق بالسهر على خدمة وحماية الرعايا المقيمين خارج البلد الأصلي، ومن هذا المنطلق، تكتسي مؤسسة السفارة أهمية محورية في مسار العلاقات الدولية، فهي أول ما يستدعى أثناء توتر العلاقات الثنائية بين الدولتين، إن بغرض الاحتجاج والتنديد بما صدر من مواقف عدائية للدولة التي تمثلها تلك السفارة، أو قد يمتد الخلاف إلى سحب السفير نهائيا إلى حين انفراج العلاقات، لكن، إذا كانت مؤسسة السفارة وممثلها السفير، كمفهومين سياسيين ودبلوماسيين متداولان لدينا بكيفية طبيعية ومألوفة وموحدة في الزمن الحاضر، فإن التساؤل الذي يطرح: ما طبيعة المصطلح والمفهوم الذي ظلت تندرج تحته هذه المؤسسة عبر التاريخ؟ وذلك ما سنحاول الإجابة عنه في هذه المقال، من خلال الوقوف على التجربة المغربية نموذجا للدراسة.
درجت مصادر التأريخ المغربي إلى غاية القرن17، في إشاراتها للسفارات والسفراء على استعمال نعوت من قبيل: وفادة، جماعة، وفد، أرسال، ورسل، ويقول المؤرخ الناصري: “وبعث أرساله”، وجاء في رسالة حملها السلطان أحمد المنصور لسفارته نحو إنجلترا قائلا: “سيرد على مملكتك خدامنا حملة هذا الكتاب الكريم…”، وهذا يعني أن مفهوم السفارة والسفير حتى هذه اللحظة، لم يكن متداولا في اللفظ المغربي، فالسفير ابن عثمان المكناسي يقول: “وبعثني…” على صيغة المتكلم بمعنى مبعوثا.
وعلى النقيض من ذلك، تم تداول مفهوم السفير باكرا في أوروبا، حيث تعود الكتابات المتحدثة عن السفراء إلى القرن 16، مبينة أهمية هذه المؤسسة في نص يقول: “السفراء وزراء يرسلهم الأمراء إلى الدول الأجنبية ليقضوا لهم أغراضهم وفق ما تقتضيه أوراق اعتمادهم وما يسمح لهم به القانون العمومي”، أما مدلول السفير في النطق المغربي، فيأتي كما قال ابن عثمان: “وانباشدورس.. يردون بقصد المقام بديارهم وسائط بين ملوكهم وبين الطاغية فيما يعرض لأحدهما عن الآخر، فيقيم أحدهم العشرة أعوام أو نحوها ويأتي من يخلفه ويتوجه هو”. والملاحظ أن ابن عثمان استعار اللفظ الأجنبي في تعريفه للسفير، ما يعني عدم تداول المفهوم في صيغته العربية.
لكن بداية من منتصف القرن 18، ألفينا استعمالا متكررا للمعادل الأجنبي “باشدور” في الحديث عن السفراء والسفارات، سواء كانت مغربية أو أجنبية.. فقد ورد عن الناصري متحدثا عن السفارتين المغربيتين إلى السويد وإنجلترا، ما يأتي: “وبعث باشدورا إلى بلاد السويد.. وبعث باشدورا إلى بلاد النجليز…”، وفي خطابه إلى ملك إسبانيا يقول السلطان سيدي محمد بن عبد الله: “إني بعثت إليك أحمد الغزال باشدورا…”.
وهكذا انتظرنا حتى القرن 19، لتشرع الكتابات التاريخية المغربية في تداول مفهوم السفارة والسفير باللسان العربي، حيث كان المفهوم حاضرا في الرحلات السفارية لهذا القرن، نورد نموذجا منها على لسان السفير إدريس العمراوي قائلا: “اقتضت المصلحة أن عين أعزه الله سفراء تتوجه للمجاورين من الإفرنج”، وقد تكرر عند المؤرخ ابن زيدان في عديد من المرات مفهوم السفارة والسفير، في ترجمته لبعض الأعلام المغربية التي تقلدت هذا المنصب، من مقتطفات ترجمته: “وقد رشحه مخدومه للسفارة لبلاد الأندلس”، وأيضا: “استعمله السلطان في السفارة بينه وبين الدول”، ويضيف كذلك: “وجهه سفيرا لحكومة مالطة ونابولي”.
وإذا كانت السفارة الأوروبية مؤسسة واضحة المعالم، ساهرة باستمرار منذ العصور الوسطى على خدمة وحماية مصالح ورعايا أوطانها، فإن المغربية لا تفارق الزمن المؤقت، تتراوح منطلقاتها بين منطلق الظرفية الذي يستدعي ترتيب سفارة لتسوية المشاكل العالقة والحوادث المستجدة، وبين منطق البروتوكول، الرامي إلى تعزيز العلاقات الثنائية ومنحها نفسا جديدا، أو حضور بعض المعارض والمؤتمرات الدولية، أو لتهنئة ملوك بمناسبة اعتلائهم العرش، وتماشيا مع هذا المنطق، لم يكن المغرب يتوفر على قناصل في البلدان المسيحية، على خلاف أوروبا التي أخذت – باكرا – بمسألة التمثيل الدبلوماسي بالخارج، كما يظهر من خلال تمثيلياتها القنصلية بالمغرب منذ العصور الوسطى.
بقلم: ذ. محمد جباري
مرتبط