التبرع بالدم في ميزان الإسلام . . عمل إنساني تجسده مقاصد الشريعة

في إطار تعزيز قيم التكافل الاجتماعي خلال شهر رمضان المبارك، نظمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ووزارة الصحة بالمغرب، حملات التبرع بالدم داخل المساجد، أشرفت عليها مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين، بتنسيق مع الوكالة المغربية للدم والمجالس العلمية، تجسيدا لمفهوم الصدقة الجارية.

يُعدّ التبرع بالدم من أسمى صور التكافل الإنساني في العصر الحديث، إذ يساهم بشكل مباشر في إنقاذ حياة المرضى والمصابين في الحوادث والعمليات الجراحية، ومع اتساع حملات التبرع بالدم في مختلف دول العالم، يبرز تساؤل مهم لدى كثير من المسلمين: ما موقف الإسلام من التبرع بالدم؟ وهل يعد هذا الفعل من الأعمال المشروعة في الشريعة الإسلامية؟

يقوم التشريع الإسلامي على جملة من المقاصد الكبرى، من أبرزها حفظ النفس البشرية، وقد أكد القرآن الكريم على قيمة إنقاذ حياة الإنسان، فقال تعالى:
“ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا” (المائدة: 32)، وتشير هذه الآية بوضوح إلى أن إنقاذ حياة إنسان واحد يعادل في ميزانه إنقاذ البشرية جمعاء، وهو ما يجعل التبرع بالدم عملًا إنسانيًا ينسجم مع روح الشريعة ومقاصدها.

وقد أجمع عدد كبير من علماء الفقه المعاصرين على أن التبرع بالدم جائز شرعًا، بل قد يصل إلى درجة الاستحباب أو الوجوب في بعض الحالات، خصوصًا إذا كان المريض في حاجة ملحّة إليه ولا يتوفر على بديل آخر لإنقاذ حياته، ويرى الفقهاء أن الدم، رغم حرمته من حيث الأصل، يجوز نقله من شخص إلى آخر إذا كان ذلك بقصد العلاج والإنقاذ، بشرط ألا يلحق ضرر بالمتبرع.

وضع العلماء جملة من الضوابط التي تجعل التبرع بالدم منضبطًا بأحكام الشريعة، من أهمها:
– عدم إلحاق الضرر بالمتبرع، فقاعدة “لا ضرر ولا ضرار” من القواعد الفقهية الأساسية في الإسلام.
– أن يكون التبرع طوعيًا دون استغلال أو تجارة بالدم.
– أن يكون الهدف إنقاذ حياة إنسان أو علاجه.
– التأكد من سلامة الإجراءات الطبية التي تحافظ على صحة المتبرع والمتلقي.

ويعد التبرع بالدم بعدا إنسانيا وأخلاقيا لا يقتصر على كونه إجراءً طبيًا فحسب، بل يعكس أيضًا قيم الإيثار والتعاون والتراحم التي دعا إليها الإسلام. فالمسلم مدعو دائمًا إلى مدّ يد العون للآخرين، خاصة في الظروف التي قد تكون مسألة حياة أو موت.

وأضحى التبرع بالدم ثقافة في المجتمعات الإسلامية، ففي السنوات الأخيرة، شهدت المجتمعات الإسلامية انتشارًا أكبر لحملات التبرع بالدم، وغالبًا ما تتزامن مع المناسبات الدينية أو الحملات الإنسانية. ويؤكد المختصون أن نشر الوعي الديني الصحيح حول هذه المسألة يسهم في تشجيع الناس على المشاركة في هذا العمل النبيل.

ويبقى التبرع بالدم صورة مشرقة من صور التضامن الإنساني التي تتوافق مع القيم الإسلامية السامية. فهو ليس مجرد مساعدة طبية، بل رسالة إنسانية تعكس جوهر الإسلام القائم على الرحمة والتكافل وحفظ الحياة، وقد يكون تبرع بسيط من إنسان قادر سببًا في إنقاذ حياة إنسان آخر، ليبقى بذلك أحد أعظم أشكال العطاء في ميزان الإنسانية والدين.

Comments (0)
Add Comment