مغاربة الخارج.. بين تقدير الملك وزلات الحكومة

في الوقت الذي يولي فيه الملك محمد السادس اهتمامًا بالغًا بالجالية المغربية المقيمة بالخارج، معتبرًا إياها ثروة وطنية وركيزة أساسية في التنمية والدفاع عن القضايا الوطنية، جاءت تصريحات وزير الصناعة والتجارة رياض مزور لتثير جدلًا واسعًا وتُقرأ من طرف كثيرين على أنها طعن في مصداقية هذا المكون الحيوي.

لقد أكد الملك في خطبه المتكررة أن الجالية المغربية ليست مجرد أرقام تحويلات مالية، بل هي سند استراتيجي للمغرب، وسفراء له في مختلف بقاع العالم، يساهمون في إشعاعه الدولي، ويدعمون اقتصاده، ويقفون في الصفوف الأمامية للدفاع عن وحدته الترابية ومقدساته. في المقابل، تصريحات الوزير بدت وكأنها تقلل من قيمة هذا الدور، أو على الأقل لم تُصغ بالشكل الذي يليق بحجم التضحيات التي يقدمها أبناء الجالية.

إن هذا التباين بين خطاب ملكي جامع وخطاب حكومي مثير للجدل يطرح سؤالًا جوهريًا حول انسجام الرسائل الرسمية الموجهة للجالية. فالمغاربة بالخارج لا ينتظرون هدايا أو منّة، لكنهم ينتظرون احترامًا وتقديرًا صريحًا، وخطابًا يوازي حجم عطائهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

وعليه، فإن الاعتذار العلني من الوزير ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو ضرورة سياسية وأخلاقية لإعادة الثقة، وللتأكيد أن الحكومة تنسجم مع التوجه الملكي الواضح، الذي يرى في الجالية المغربية سندًا استراتيجيًا لا غنى عنه، وثروة بشرية واقتصادية وثقافية ينبغي أن تحظى بكل التقدير.

إن الجالية المغربية، التي تضخ مليارات الدراهم سنويًا في الاقتصاد الوطني، وتقدم أبناءها في الرياضة والسياسة والثقافة كقربان للوطن، تستحق خطابًا رسميًا يليق بها، لا تصريحات عابرة قد تُفهم كاستخفاف أو تقليل من قيمتها. المطلوب اليوم أن يرتقي الخطاب العمومي إلى مستوى تضحيات المغاربة داخل الوطن وخارجه، وأن يقوم على الاحترام المتبادل والتقدير الصريح، لا على الإيحاءات المستفزة أو العبارات التي تمس الإحساس الجماعي بالكرامة والانتماء.

بهذا، تصبح القضية أكثر من مجرد جدل عابر؛ إنها دعوة لإعادة ضبط لغة المسؤولين بما ينسجم مع رؤية ملكية واضحة، ترى في الجالية المغربية سندًا استراتيجيًا، وصوتًا وطنيًا لا يقبل المزايدة أو التشكيك.

المصطفى بلقطيبية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد