يدشن معهد العالم العربي بباريس موسمه الثقافي الخريفي بحدث استثنائي يعيد إحياء الذاكرة الجماعية لطقوس الزفاف في بلاد المغرب. تحت عنوان “تحيا العروس!”، وبشعار شعبي موازٍ هو “العروسة جات”، المعرض الذي افتتح في 28 شتنببر وينتهي في 28 فبراير، يسلط الضوء على الطقوس الأصيلة والأزياء التراثية بمشاركة متميزة من المؤسسة الوطنية للمتاحف، ويفتح أبوابه أمام جمهور عريض يكتشف لأول مرة قطعاً تراثية نادرة وتاريخية.
وتأتي المشاركة المغربية في هذا المعرض تتويجاً لاتفاقية التعاون المبرمة بين المؤسسة الوطنية للمتاحف ومعهد العالم العربي لتعزيز التبادل الثقافي، وفي هذا السياق، قامت المؤسسة الوطنية للمتاحف بإعارة المعهد سلسلة كاملة وفريدة من الأزياء والحلي المرتبطة بمراسم الزفاف المغربي.
وتعكس هذه الخطوة الدينامية الكبيرة التي يشهدها المجال المتحفي في المملكة، بفضل الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الهادفة إلى صيانة التراث الوطني وإشعاعه دولياً.
يتميز المعرض بأسلوبه البصري المبتكر، حيث لا يكتفي بعرض القطع التاريخية الجامدة، بل يخلق حواراً حياً بين الموروث القديم والرؤى المعاصرة.
ويضم المعرض نحو 40 زياً تقليدياً وحلية زفاف تاريخية تُعرض لأول مرة في فرنسا، مبرزةً تنوع تقاليد اللباس والزينة بين مختلف المناطق المغربية والمغاربية، ويشارك في الحدث 27 فناناً وفنانة معاصرين يقدّمون أعمالاً فنية تستلهم طقوس الهوية، الذاكرة، والتحولات الاجتماعية المحيطة بمؤسسة الزواج.
وتسلط أروقة المعرض الضوء بشكل خاص على الأدوار النسائية؛ بدءاً من العروس وزينتها وصولاً إلى نساء العائلة وصديقاتها اللواتي يشاركن في طقوس التحضير والاحتفال. كما يمنح المعرض الزوار فرصة مقارنة غنى التقاليد في المغرب، الجزائر، وتونس، كاشفاً عن الروابط الثقافية المشتركة مع الحفاظ على الخصوصية المحلية الفريدة لكل منطقة.
ويتوقف زوار المعرض أمام التعليقات المكتوبة التي تشرح معنى كل حلية. فالمجوهرات ليست وسائل للزينة فحسب، بل هي تحمل الكثير من الرموز في تصاميمها ونقوشها. إذ تدل على الخصوبة أو الحماية أو القوة أو القيم الروحية. كل نقش في هذه الحلي له مدلول يرتبط بتاريخ قبيلة المرأة وتقاليدها، لا سيما بين القبائل الأمازيغية التي تظهر في مجوهراتها أشكال هندسية متعددة مثل المثلث والمَعين والدائرة. ومن أشهر تلك الرموز الكف الطاردة للحسد، والمعروفة باسم «كف فاطمة».
ويُشكل معرض “تحيا العروس!” بمعهد العالم العربي بباريس جسرًا ثقافيًا يربط بين ضفتي المتوسط، ويؤكد من جديد على الإشعاع الدولي الذي يحظى به التراث المغربي، ولا تقتصر الشراكة الاستراتيجية مع المؤسسة الوطنية للمتاحف على عرض قطع أثرية نادرة فحسب، بل تُعد شهادة حية على التزام المملكة بصون هويتها العريقة ونقلها للأجيال الصاعدة عبر منصات عالمية. ومع إسدال الستار على هذا الحدث، يظل القفطان والحلي والطقوس المغربية راسخة في الذاكرة الكونية كرموز للأصالة، والجمال، والانفتاح الثقافي.