تدخل الدائرة الانتخابية عين الشق بالدار البيضاء أجواء الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 23 شتنبر 2026، وسط منافسة سياسية مفتوحة على أكثر من احتمال، في دائرة أثبتت خلال الاستحقاقات السابقة أن نتائجها لا تخضع لمنطق الاستمرارية الآلية، وأن امتلاك رصيد انتخابي سابق لا يعني بالضرورة ضمان تجديده.
فالمشهد الانتخابي بعين الشق تحكمه معادلة مركبة تتداخل فيها قوة التنظيم الحزبي، والامتداد المحلي، والحضور الميداني، والرصيد الشخصي للمرشح، وقدرته على تعبئة الناخبين. ولذلك تبدو المقاعد الثلاثة مفتوحة على منافسة حقيقية، من دون أن يكون من المسؤول سياسياً أو مهنياً حسم مآلاتها قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع.
من 2016 إلى 2021.. خريطة انتخابية قابلة لإعادة التشكل
لفهم طبيعة الاستحقاق المقبل، لا بد من العودة إلى انتخابات شتنبر 2021، التي شكلت محطة بارزة في مسار الدائرة.
فقد تمكن حزب التجمع الوطني للأحرار من تصدر النتائج بواسطة مرشحه محمد شفيق بن كيران، الذي حصل على 10 آلاف و851 صوتاً، متقدماً على عبد الحق الشفيق عن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي حصل على 8045 صوتاً، فيما حل إسماعيل بنبي ثالثاً باسم حزب الاستقلال، مانحاً الحزب مقعداً برلمانياً بالدائرة.
هذه النتائج لم تكن مجرد ترتيب انتخابي، وإنما عكست تحولاً واضحاً في موازين القوى بعين الشق. فحزب العدالة والتنمية، الذي تصدر انتخابات 2016 وحصل على مقعدين، وجد نفسه خارج دائرة الفائزين، بينما تقدم التجمع الوطني للأحرار إلى الصدارة، وحافظ الأصالة والمعاصرة على حضوره، وتمكن حزب الاستقلال من اقتناص المقعد الثالث.
أما انتخابات 2016، فقد منحت العدالة والتنمية مقعدين عن الدائرة، بعدما حصل وكيل لائحته رشيد القبيل ووصيفه عبد اللطيف الناصري على 23 ألفاً و545 صوتاً، في حين عاد المقعد الثالث إلى عبد الحق الشفيق عن الأصالة والمعاصرة.
والرسالة السياسية التي حملتها انتخابات 2021 واضحة: لا توجد خريطة انتخابية محصنة ضد التغيير، مهما بدا الرصيد الحزبي أو الشخصي قوياً.
انتخابات 2022.. حين يصبح العامل الشخصي جزءاً من المعادلة
جاءت الانتخابات الجزئية في شتنبر 2022 لتضيف عنصراً جديداً إلى قراءة المشهد. فقد حافظ إسماعيل بنبي على مقعده، كما تمكن عبد الحق الشفيق من الاحتفاظ بمقعده، لكن هذه المرة باسم حزب الحركة الشعبية.
وتحمل هذه الواقعة دلالة سياسية مهمة، لأنها تؤكد أن العامل الشخصي والمحلي يمكن أن يكون مؤثراً في صناعة النتيجة، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بالقول إن المرشح أقوى دائماً من الحزب، أو أن الانتقال من لون سياسي إلى آخر يضمن تلقائياً الاحتفاظ بالرصيد الانتخابي.
2026.. أسماء وازنة وسباق مفتوح
مع اقتراب استحقاقات 2026، تبدو دائرة عين الشق أكثر ازدحاماً، بعدما اتضحت، إلى حدود 25 غشت، مجموعة من الترشيحات، في انتظار حسم باقي الأسماء.
ومن بين الأسماء المطروحة محمد شفيق بن كيران عن التجمع الوطني للأحرار، وعبد الحق الشفيق عن الأصالة والمعاصرة، وآمنة ماء العينين عن العدالة والتنمية، إلى جانب عبد اللطيف الناصري باسم الاتحاد الدستوري.
كما تشمل الترشيحات، وفق المعطيات المتوفرة، بدر البوشيخي عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وعبد اللطيف أيت بوجبير عن الحركة الشعبية، وزكرياء روالي عن جبهة القوى الديمقراطية، وعادل الشاهدي عن الحزب الاشتراكي الموحد، في انتظار اكتمال الصورة النهائية للترشيحات.
بن كيران.. معركة الدفاع عن الصدارة
يدخل محمد شفيق بن كيران الاستحقاق المقبل من موقع مختلف عن بقية المنافسين، باعتباره صاحب صدارة انتخابات 2021.
فالحصول على 10 آلاف و851 صوتاً يمنحه رصيداً انتخابياً مهماً، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام مسؤولية سياسية أكبر: الدفاع عن المرتبة الأولى وليس مجرد البحث عن الفوز.
فالمرشح الذي سبق أن تصدر الانتخابات يصبح مطالباً بالحفاظ على قاعدته الانتخابية، وتبرير موقعه السابق، ومواجهة المقارنة بين حصيلته الماضية وطموحه الحالي.
ومن هنا، فإن معركته لن تكون فقط مع المنافسين، وإنما أيضاً مع ذاكرة الناخب.
عبد الحق الشفيق.. اختبار الرصيد الشخصي
في المقابل، يقف عبد الحق الشفيق باعتباره أحد أكثر الأسماء خبرة بالمسار الانتخابي لعين الشق.
فمنذ 2016 وهو حاضر في المعادلة، بعدما فاز بالمقعد الثالث عن الأصالة والمعاصرة، ثم ارتقى إلى المرتبة الثانية في انتخابات 2021، قبل أن يحافظ على مقعده في الانتخابات الجزئية سنة 2022 باسم الحركة الشعبية.
هذا المسار يمنحه رصيداً لا يمكن تجاهله، لكنه يضعه أيضاً أمام سؤال سياسي أساسي في انتخابات 2026:
هل كان جزء كبير من قوته الانتخابية مرتبطاً بشخصه وامتداده المحلي، أم أن اللون الحزبي كان له دور حاسم في صناعة هذا الرصيد؟
الإجابة لن تقدمها استطلاعات الرأي ولا التحليلات السياسية، وإنما صناديق الاقتراع.
المقعد الثالث.. عنوان المفاجأة المحتملة
إذا كانت المنافسة على المرتبة الأولى ستستأثر بالاهتمام، فإن المقعد الثالث قد يكون الأكثر إثارة وتشويقاً.
فإسماعيل بنبي، الذي فاز بالمقعد الثالث سنة 2021 وحافظ عليه في الانتخابات الجزئية سنة 2022، يدخل هذه المرة أمام عدد أكبر من المنافسين ذوي الحضور السياسي والمحلي.
وفي مثل هذه الوضعية، يمكن أن يؤدي تعدد المرشحين إلى تشتيت الأصوات، بحيث يصبح الفارق بين صاحب المرتبة الثالثة والرابعة محدوداً للغاية.
لذلك قد لا تكون المعركة الحقيقية في عين الشق هي فقط: من سيحتل المرتبة الأولى؟
بل أيضاً: من سيتمكن من حجز أحد المقاعد الثلاثة؟
العدالة والتنمية.. معركة استعادة الحضور
يعود حزب العدالة والتنمية إلى دائرة سبق أن تصدرها سنة 2016 بمقعدين، قبل أن يجد نفسه خارج المقاعد الثلاثة في انتخابات 2021.
ويخوض الحزب هذه المرة بواسطة آمنة ماء العينين، في محاولة لاستعادة جزء من حضوره السابق.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بإمكانية الفوز بمقعد، بل باختبار قدرة الحزب على إعادة بناء قاعدة انتخابية داخل دائرة شكلت في السابق إحدى محطات حضوره القوية.
وأي تقدم للعدالة والتنمية في عين الشق سيكون ذا دلالة سياسية تتجاوز حدود المقعد، لأنه سيشير إلى قدرة الحزب على تحويل رصيده السياسي السابق إلى قوة انتخابية فعلية من جديد.
الناصري.. هل ينتقل الرصيد من الحزب إلى المرشح؟
من بين الأسماء التي تستحق المتابعة أيضاً عبد اللطيف الناصري، الذي سيخوض المنافسة باسم الاتحاد الدستوري.
فالناصري ليس وافداً جديداً على المشهد، إذ سبق أن كان ضمن لائحة العدالة والتنمية سنة 2016، إلى جانب رشيد القبيل، في انتخابات حققت خلالها اللائحة 23 ألفاً و545 صوتاً.
غير أن انتخابات 2026 ستضعه أمام اختبار مختلف:
هل يستطيع المرشح أن يحتفظ بجزء من رصيده الشخصي عندما يتغير العنوان الحزبي؟
وجوده في السباق قد يعيد توزيع جزء من الأصوات، خصوصاً إذا نجح في استقطاب ناخبين سبق أن عرفوه وصوتوا لصالحه. لكن تحويل الرصيد الانتخابي القديم إلى أصوات جديدة ليس أمراً مضموناً، لأن لكل استحقاق سياقه السياسي والاجتماعي والانتخابي.
الوجوه الجديدة.. فرصة الاختراق
ولا ينبغي وضع أسماء مثل عبد اللطيف أيت بوجبير عن الحركة الشعبية خارج دائرة المنافسة، خصوصاً مع الرهان على الحضور الميداني والامتداد المحلي في بعض مناطق الدائرة، ومنها سيدي معروف.
كما أن حضور بدر البوشيخي عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وعادل الشاهدي عن الحزب الاشتراكي الموحد يفتح الباب أمام إمكانية دخول أحد الأحزاب التي لم تتمكن من حجز مقعد ضمن الثلاثة الأوائل في انتخابات 2021.
فالانتخابات لا تُحسم دائماً لصالح الأكثر حضوراً في الإعلام، بل قد تمنح الأفضلية لمرشح يمتلك تنظيماً ميدانياً قوياً وقاعدة انتخابية مركزة.
الوجوه التقليدية.. قوة أم عبء؟
من أبرز الأسئلة السياسية في عين الشق أيضاً مستقبل ما يمكن تسميته بـ**”الوجوه التقليدية”** التي راكمت سنوات من الحضور السياسي والانتخابي.
فالخبرة والشهرة والامتداد المحلي تمنح المرشح أفضلية واضحة، لكنها قد تتحول في لحظة معينة إلى عبء، عندما يصبح الناخب أكثر استعداداً لمحاسبة المرشح على مساره السابق.
فالوجه المعروف لا يدخل الانتخابات فقط بمزايا رصيده، وإنما يدخلها أيضاً محملاً بـالوعود السابقة، والتوقعات، والانتقادات، والصورة التي تشكلت عنه لدى الناخبين.
وفي المقابل، يمتلك المرشح الجديد هامشاً أكبر لتقديم نفسه باعتباره بديلاً، لكنه يواجه مشكلة أخرى تتمثل في غياب قاعدة انتخابية مجربة.
وبالتالي، فإن الجديد ليس بالضرورة أقوى، والقديم ليس بالضرورة أضعف.
عين الشق.. انتخابات لا تقبل الحسابات الجاهزة
المؤكد أن استحقاق 23 شتنبر 2026 لن يكون نسخة طبق الأصل من انتخابات 2021، كما أن العودة إلى نتائج 2016 لا يمكن أن تكون أساساً لإعادة إنتاج الخريطة نفسها.
فالسياق السياسي تغير، والأحزاب تغيرت، والمرشحون تغيروا، والتحالفات والحسابات المحلية تتغير، والأهم أن الناخب نفسه يعيد تقييم اختياراته من استحقاق إلى آخر.
وعليه، فإن القراءة السياسية الأكثر مهنية لا تتمثل في ترتيب المرشحين مسبقاً، وإنما في تحديد عناصر القوة والضعف والسيناريوهات المحتملة.
وقد يكون أحد السيناريوهات هو حفاظ بعض الأسماء على مواقعها السابقة، بينما قد ينجح اسم جديد في اختراق المقاعد الثلاثة. كما يمكن أن يعود حزب سبق أن خرج من دائرة الفائزين، أو يفقد مرشح بدا لفترة طويلة جزءاً ثابتاً من الخريطة الانتخابية.
الخلاصة.. المعركة على الاسم والحزب والناخب المتردد
عين الشق أمام اختبار انتخابي حقيقي تتداخل فيه ثلاثة عناصر أساسية:
قوة التنظيم الحزبي، والرصيد الشخصي للمرشح، والقدرة على استقطاب الناخب المتردد.
ففي 2016 كان العدالة والتنمية سيد الدائرة بمقعدين.
وفي 2021 أعيد ترتيب الخريطة، فتقدم التجمع الوطني للأحرار، وصعد الأصالة والمعاصرة، ودخل الاستقلال إلى المقاعد الثلاثة.
وفي 2022 أثبتت الانتخابات الجزئية أن بعض الأسماء تستطيع الحفاظ على مواقعها رغم تغير العناوين الحزبية.
أما في 23 شتنبر 2026، فالمعادلة تعود إلى نقطة الصفر.
قد ينتصر الرصيد القديم، وقد تنتصر قوة التنظيم، وقد ينتصر الاسم على الحزب، وقد يكون الحزب أقوى من الاسم.
لكن الثابت أن عين الشق لن تمنح مقاعدها على أساس الماضي وحده.
فالناخب الذي أعاد رسم الخريطة في 2021 قادر على إعادة رسمها مرة أخرى في 2026، وربما تكون المفاجأة هذه المرة في اسم لا يحتل، إلى حدود بداية الحملة، واجهة التوقعات السياسية.
وهنا تحديداً تكمن خصوصية عين الشق: دائرة لا تعطي نتائجها مسبقاً، ولا تسمح للماضي بأن يتحول إلى ضمانة للمستقبل.