رحيل حميد برادة.. مسيرة نضال طلابي وحكم بالإعدام قادته إلى قمة الإعلام الفرنكوفوني.

توفي الصحافي والمفكر المغربي الكبير حميد برادة مساء الجمعة 25 شتنبر 2026 في مدينة الدار البيضاء عن عمر ناهز 87 عاماً، لتطوى بذلك صفحة مشرقة من تاريخ الصحافة المغربية والفرنكوفونية، ويُعد الراحل واحداً من عمالقة الإعلام الذين زاوجوا بين النضال السياسي الشرس في مرحلة الشباب، وبين الرصانة المهنية والفكرية التي جعلت من الحوار الصحافي لديه فناً وتأريخاً للمغرب الحديث.

ولد حميد برادة في 3 دجنبر 1939 بمدينة طنجة لأسرة وطنية عريقة تنحدر أصولها من مدينة فاس، وتلقى تعليمه الأولي بالمدرسة الإسلامية الحرة بطنجة تحت إشراف العلامة عبد الله كنون، قبل أن ينتقل لمتابعة دراسته الثانوية في ثانوية “ريغنو” (Lycée Regnault) الفرنسية.

وتميز الراحل بتكوين أكاديمي غني ومتعدد التخصصات؛ حيث حصل على شهادات جامعية رفيعة في الفلسفة، والقانون، وعلم الاجتماع السياسي، وهو التكوين الذي صقل بصيرته التحليلية لاحقاً في عالم السياسة والصحافة.

عاش حميد برادة غليان فترة الستينيات بكل جوارحه، وكان فاعلاً أساسياً في المشهد السياسي المعارض آنذاك، حيث انتُخب سنة 1962 رئيساً للاتحاد الوطني لطلبة المغرب (UNEM)، وهي النقابة الطلابية اليسارية الأكثر تأثيراً في تلك الحقبة. قاد من هذا الموقع معارك نضالية وحملات قوية ضد المحاكمات السياسية التي طالت المعارضين، وبسبب مواقفه السياسية الراديكالية وضمن سياق التوتر الشديد بين النظام والمعارضة، تعرض للاعتقال والاستنطاق. وعقب مغادرته المغرب سراً، أصدرت المحكمة في حقه حكماً غيابياً بالإعدام سنة 1963 بتهمة “مؤامرة قلب نظام الحكم”.

وبالمنفى عاش برادة تجربة طويلة متنقلاً بين عدة عواصم (منها الجزائر وفرنسا). وفي المنفى، بدأ مسار المراجعة والتحول التدريجي من النضال الحزبي المباشر إلى الالتزام الكامل بالعمل الصحافي كأداة للتعبير والتحليل.

عاد حميد برادة إلى المغرب سنة 1978 بعد سنوات المنفى، واختار التركيز الكلي على الصحافة مبتعداً عن العمل الحزبي، مما منحه هامشاً واسعاً من الحرية، ومن أبرز محطاته المهنية، التحاقه بالمجلة الأسبوعية الدولية «جون أفريك» (Jeune Afrique) كمراسيل كبير، وتولى رئاسة تحريرها بين سنتي 1974 و1985، وظل يكتب فيها لعقود، بعدها شغل منصب مدير قطب المغرب العربي والشرق الأوسط في القناة الفرنكوفونية الشهيرة “TV5”.

عرف الجمهور المغربي العريض حميد برادة بشكل أعمق، من خلال شاشة القناة الثانية المغربية (2M)؛ حيث قدم ونشط ما بين 2007 و2018 برنامجه الحواري الشهير «Mais Encore؟». استضاف عبره نخبة من صناع القرار والمثقفين والمفكرين، إلى جانب ذلك عمل أستاذاً جامعياً يلقن الأجيال تجاربه، كما أخرج فيلمين وثائقيين خلال مسيرته.

اشتهر حميد برادة بكونه المغربي الوحيد الذي أجرى حواراً صحافياً مع الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1985، وهو الحوار الذي شكل مؤشراً مبكراً على طي صفحة الخلاف وبدء مرحلة إنصاف ومصالحة تاريخية (شارك فيها برادة لاحقاً كشاهد في جلسات هيئة الإنصاف والمصالحة المغلقة سنة 2004).

حاور برادة كبار القادة والمفكرين؛ أمثال عبد الرحمن اليوسفي، أحمد بن بلة، ليوبولد سيدار سنغور، والمفكر عبد الله العروي. وقبيل رحيله، وتحديداً في سنة 2025، صدر له مؤلف ضخم بالفرنسية يقع في 744 صفحة بعنوان “أنطولوجيا الحوارات الصحافية” (Hamid Barrada: Anthologie d’entretiens)، والذي جمعت فيه ابنته 45 حواراً نادراً تؤرخ لذاكرة القرن العشرين السياسية والفكرية.

وبرحيل حميد برادة، تفقد الساحة الإعلامية المغربية معلماً بارزاً و”صحفياً مخضرماً” نجح في تحويل السؤال الصحافي إلى فن قائم بذاته، وعبر بمرونة وشجاعة من مشانق أحكام الإعدام والمنفى إلى ريادة الذاكرة الصحافية الوطنية.

Comments (0)
Add Comment