حين يصبح رفضُ الاصطفاف موقفًا سياسيًا لا هروبًا من المسؤولية

قرأتُ الرسالة الموجهة من سياسي ومواطن مهتم بالشأن السياسي والنهج التربوي إلى قيادة تحالف اليسار، وهي رسالة تستحق النقاش، ليس لأنها تطرح سؤال المشاركة في الحكومة فقط، وإنما لأنها تطرح سؤالًا أعمق:

متى تكون المشاركة في الحكم ممارسةً واقعية للسياسة، ومتى تتحول إلى مجرد بحث عن موقع داخل الحكومة؟

صحيح أن تحالف اليسار حقق مفاجأة انتخابية مهمة بحصوله على ثمانية مقاعد، بعدما كان حضوره البرلماني محدودًا، وهذا تطور يستحق التقدير. لكن من غير المنصف تحويل قرار حزب العدالة والتنمية بعدم المشاركة في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة إلى مجرد “هرولة نحو المعارضة”.

فالوقائع تقول إن حزب العدالة والتنمية حصل في انتخابات 23 شتنبر 2026 على 54 مقعدًا، ليصبح رابع قوة برلمانية، محققًا عودة قوية مقارنة بنتيجة انتخابات 2021.

والأهم أن موقف الحزب لم يكن غامضًا. فقد أعلن أمينه العام عبد الإله بنكيران، مباشرة بعد ظهور النتائج، أن منطق الحزب يفرض عدم المشاركة في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة. وبالتالي فالمسألة لم تكن انتظارًا لمكالمة هاتفية أو بحثًا عن حقيبة وزارية، بل كانت موقفًا سياسيًا معلنًا أمام الرأي العام.

هنا يجب التفريق بين أمرين:

المشاركة في الحكومة ليست هدفًا في حد ذاتها، كما أن المعارضة ليست فشلًا سياسيًا.

الحزب السياسي يدخل الانتخابات ببرنامج ومشروع ورؤية للمجتمع والدولة. وإذا وجد أن مشاركته في حكومة معينة ستفرض عليه تقديم تنازلات جوهرية تتعارض مع هويته أو مع الوعود التي قدمها للناخبين، فإن رفض المشاركة يمكن أن يكون هو القرار الأكثر انسجامًا مع السياسة الواقعية.

ثم إن الدستور نفسه لا يجعل الحزب المتصدر قادرًا على الحكم منفردًا. حزب الأصالة والمعاصرة تصدر الانتخابات بـ97 مقعدًا، لكنه بعيد عن الأغلبية المطلقة المطلوبة لتنصيب الحكومة، والتي تبلغ 198 مقعدًا من أصل 395. ولذلك فالحكومة لا يمكن أن تقوم إلا على ائتلافات وتوافقات بين عدة أحزاب.

وقد بدأت بالفعل مشاورات تشكيل الحكومة، والتقى حزب الأصالة والمعاصرة بعدد من الأحزاب، وهو ما يؤكد أن المشهد السياسي كان ولا يزال قائمًا على حسابات التحالفات والبرامج والمواقع السياسية.

أما القول إن على العدالة والتنمية أن يلتحق بالحكومة لمجرد أن الباب كان مفتوحًا، فهو يتجاهل سؤالًا جوهريًا:

هل كل حكومة تستحق المشاركة فيها لمجرد أن المشاركة ممكنة؟

السياسة ليست سوقًا للمناصب، والحزب الذي يختار المعارضة لا يصبح تلقائيًا حزبًا سلبيًا. المعارضة في الأنظمة الديمقراطية مؤسسة دستورية وسياسية لها وظيفة أساسية: مراقبة الحكومة، مساءلتها، تقديم البدائل، وكشف الاختلالات عندما تقع.

والأغرب أن الرسالة تنتقد العدالة والتنمية لأنه اختار المعارضة، في الوقت الذي تقترح فيه على تحالف اليسار نفسه أن يدخل الحكومة رغم اختلافاته السياسية والإيديولوجية مع الأحزاب المشكلة لها.

وهنا يظهر التناقض:

إذا كانت المشاركة في الحكومة هي معيار المسؤولية السياسية، فلماذا لا تكون المشاركة مع الأصالة والمعاصرة مقبولة بالنسبة إلى العدالة والتنمية أيضًا؟

وإذا كان من حق تحالف اليسار أن يضع شروطه ومبادئه وحدوده السياسية، فمن حق العدالة والتنمية كذلك أن يحدد شروط مشاركته، وأن يقول بوضوح: لن نشارك في حكومة يقودها حزب نختلف معه سياسيًا ومنهجيًا، وسنمارس المعارضة من موقعنا البرلماني.

وهذا لا يعني أن العدالة والتنمية يرفض العمل المؤسساتي، بل العكس تمامًا.

فالحزب الذي حصل على 54 مقعدًا لا يستطيع أن يتصرف وكأنه حزب هامشي. أمامه مسؤولية كبيرة داخل البرلمان، خصوصًا وأن عودته بهذه القوة تعني أن جزءًا مهمًا من الناخبين أعاد منحه الثقة.

ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام العدالة والتنمية ليس الحصول على وزارة، وإنما إثبات أن المعارضة يمكن أن تكون فعالة ونظيفة ومقنعة.

أما تحالف اليسار، فإن حصوله على ثمانية مقاعد يمثل بالفعل فرصة تاريخية لبناء حضور يساري أكثر قوة داخل المؤسسات. لكن المشاركة في الحكومة ليست الطريق الوحيد لإثبات الوجود.

بل ربما تكون المعارضة، بالنسبة إلى تحالف سياسي يحمل مشروعًا يساريًا واضحًا، فرصةً لبناء هوية سياسية مستقلة بدل الذوبان داخل أغلبية واسعة تضم أحزابًا ذات توجهات ومصالح مختلفة.

لقد أفرزت انتخابات 2026 خريطة سياسية جديدة: الأصالة والمعاصرة 97 مقعدًا، التجمع الوطني للأحرار 66، الاستقلال 65، العدالة والتنمية 54، الحركة الشعبية 29، الاتحاد الاشتراكي 26، التقدم والاشتراكية 19، الاتحاد الدستوري 17، وتحالف اليسار 8 مقاعد.

هذه الأرقام تقول شيئًا واضحًا:

لا أحد يملك المغرب السياسي منفردًا.

الأغلبية تحتاج إلى تحالف، والمعارضة تحتاج إلى قوة واقتراح، والناخب ينتظر من الأحزاب أن تحافظ على وعودها وهويتها، لا أن تجعل الوصول إلى الحكومة غايةً تتقدم على المبادئ والبرامج.

ولذلك، فإن الدفاع عن موقف العدالة والتنمية لا يعني القول إن الحزب معصوم من الخطأ، ولا يعني أن كل قراراته صحيحة بالضرورة.

بل يعني أن تقييم موقفه يجب أن يكون على أساس المنطق السياسي والوقائع، لا على أساس اتهامه مسبقًا بالهروب من المسؤولية.

لقد اختار الحزب، بعد حصوله على 54 مقعدًا، أن يكون في المعارضة بدل أن يدخل حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة.

وهذا قرار سياسي قابل للنقاش والنقد، لكنه ليس في حد ذاته تناقضًا ولا هروبًا.

فالزمن وحده سيحكم على الخيارين:

هل ستنجح الحكومة الجديدة في تحقيق الوعود التي قطعتها للأغلبية والناخبين؟

وهل سينجح العدالة والتنمية في تحويل معارضته إلى معارضة قوية ومسؤولة وذات بدائل؟

وهل يستطيع تحالف اليسار أن يحافظ على مكاسبه الانتخابية ويحول المقاعد الثمانية إلى مشروع سياسي أكبر؟

هذه هي الأسئلة الحقيقية التي ينبغي أن تشغل الفاعلين السياسيين اليوم، بدل اختزال الديمقراطية في سؤال واحد: من دخل الحكومة ومن بقي خارجها؟

المعارضة ليست مقبرةً للأحزاب، كما أن الحكومة ليست جنةً للسياسيين.

المعيار الحقيقي هو ماذا قدم الحزب عندما كان في الحكم، وماذا يقدم عندما يكون في المعارضة، وماذا يفعل عندما يمنحه المواطن ثقته.؟

Comments (0)
Add Comment