تقرير صحفي – بقلم منية عمراني جمالي
بين طفل يبحث عن الهروب، وأسرة تبحث عن الهدوء، وبيئة رقمية تتنافس على عقول أبنائنا، لم يعد السؤال: من نلوم؟ بل أصبح السؤال الأهم: من يتحمل المسؤولية؟ وكيف نستعيد التوازن؟
خلال عملي في مرافقة الآباء والأمهات، ألتقي كثيرًا بأسر تحمل القلق نفسه:
«ابني لا يفارق الهاتف»…
«ابنتي تغضب عندما نطلب منها إغلاقه»…
«لم يعد يهتم بالدراسة»…
«أصبح يفضل العالم الافتراضي على الجلوس معنا».
ثم يأتي السؤال الذي يختصر القلق كله:
«ماذا نفعل؟ لقد أصبح طفلنا مدمنًا!»
لكن، هل يكفي أن نضع اللوم على الطفل؟ وهل سحب الهاتف من يده هو الحل؟
أم علينا أن نتوقف قليلًا ونطرح السؤال الأصعب:
لماذا أصبح الهاتف بهذه الأهمية في حياة أبنائنا؟
هل يبحث الطفل عن المتعة فقط؟ أم عن الاهتمام؟
هل يهرب من الملل؟ أم من الوحدة؟
هل أصبحت الشاشة وسيلة لتهدئة مشاعره؟
أم أننا، دون أن نشعر، جعلنا الهاتف جزءًا من طريقة تربيتنا اليومية؟
الطفل ليس وحده في قفص الشاشة
من السهل أن نقول إن الطفل هو المسؤول لأنه يقضي ساعات طويلة أمام الهاتف.
لكن التربية ليست محاكمة للطفل، والأسرة ليست مجرد جهة تفرض الأوامر.
فالطفل يتعلم مما نفعله أكثر مما يتعلم مما نقوله.
وعندما يرى والديه منشغلين باستمرار بالهاتف والرسائل ومواقع التواصل والعمل والمكالمات، فمن الصعب أن يفهم لماذا يُطلب منه وحده أن يبتعد عن الشاشة.
هنا تتحول المسألة من مشكلة «طفل يستخدم الهاتف كثيرًا» إلى سؤال أوسع يتعلق بثقافة الأسرة الرقمية بأكملها.
أبناء الجالية أمام تحديات إضافية
بالنسبة إلى أبناء الجالية المغربية بالخارج، قد تصبح الصورة أكثر تعقيدًا.
فالبعد عن الأسرة الممتدة، وضغط الحياة اليومية، وانشغال الوالدين، وتغير البيئة الاجتماعية والثقافية، كلها عوامل يمكن أن تجعل العالم الرقمي أكثر حضورًا في حياة الطفل.
وقد يجد بعض الأطفال في العالم الافتراضي مساحة للتعبير عن أنفسهم، وبناء العلاقات، والشعور بالانتماء.
لذلك فإن التعامل مع الظاهرة يحتاج إلى فهم السياق الذي يعيش فيه الطفل، وليس فقط مراقبة عدد الساعات التي يقضيها أمام الشاشة.
ليست حربًا على التكنولوجيا
التكنولوجيا ليست عدوًا، والهاتف ليس شرًا في حد ذاته.
المشكلة تبدأ عندما تتحول التكنولوجيا من أداة في يد الإنسان إلى عالم يسيطر على الإنسان.
وعندما يصبح الطفل عاجزًا عن الاستمتاع بوقته دون شاشة، أو يفقد اهتمامه بالدراسة والرياضة والعائلة، أو يصبح الغضب والصراع رد فعله الدائم عند محاولة تنظيم استخدام الهاتف، فهنا يصبح من الضروري التوقف وإعادة النظر.
الحل لا ينبغي أن يكون بالصراخ، ولا بالعقاب المستمر، ولا بالمراقبة الخانقة، بل ببناء حدود واضحة، وحوار مستمر، وبدائل حقيقية.
فالطفل الذي يجد الرياضة، واللعب، والأصدقاء، والأنشطة الثقافية، والخروج، والحوار العائلي، والاهتمام الحقيقي، لن يكون مضطرًا بالضرورة إلى البحث عن كل احتياجاته داخل الشاشة.
هل نراقب أبناءنا أم نرافقهم؟
التحدي الحقيقي أمام الآباء والأمهات ليس فقط أن يقولوا:
«أغلق الهاتف!»
بل أن يسألوا:
«ماذا سنفعل معًا بعد أن نغلق الهاتف؟»
هذه النقطة قد تبدو بسيطة، لكنها جوهرية.
فلا يمكن أن نطلب من الطفل أن يترك العالم الافتراضي دون أن نقدم له عالمًا واقعيًا يشعر فيه بالحب والانتماء والأمان.
المرافقة لا تعني ترك الطفل دون قواعد، كما أن وضع الحدود لا يعني تحويل البيت إلى ساحة صراع.
نحتاج إلى توازن بين الحزم والاحتواء، وبين القواعد والحوار، وبين الرقابة والثقة.
لحظة صراحة أمام المرآة
ربما قبل أن نسأل أبناءنا عن عدد الساعات التي قضوها أمام الهاتف، علينا أن نسأل أنفسنا:
متى كانت آخر مرة جلسنا فيها مع أبنائنا دون أن يكون الهاتف بين أيدينا؟
متى استمعنا إلى ما يشعرون به، وليس فقط إلى ما نريد منهم أن يفعلوه؟
متى لعبنا معهم؟
متى خرجنا معهم؟
متى منحناهم وقتًا لا ينافسه إشعار ولا رسالة ولا شاشة؟
قد يكون الطفل هو من يمسك الهاتف، لكن المسؤولية لا توجد دائمًا في اليد التي تحمل الهاتف.
المسؤولية مشتركة
المسؤولية هنا لا تقع على الطفل وحده، ولا على الأسرة وحدها، ولا على التكنولوجيا وحدها.
إنها مسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والمنصات الرقمية، والثقافة التربوية التي نريد أن نبنيها لأبنائنا.
والأهم أن نتدخل مبكرًا، قبل أن يتحول الاستخدام المفرط إلى تعلق يصعب التحكم فيه.
فالتربية الرقمية لم تعد رفاهية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من التربية الحديثة.
كلمة أخيرة…
ربما لا نحتاج دائمًا إلى شجاعة أكبر لسحب الهاتف من يد الطفل.
ربما نحتاج إلى شجاعة أكبر للنظر في المرآة.
أن نسأل أنفسنا بصدق:
كم ساعة يقضيها أبناؤنا أمام الشاشة؟ وكم ساعة نقضيها نحن معهم؟
ربما تكمن بداية الحل في الفرق بين الرقمين.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل أسرة:
هل يقضي أبناؤنا وقتًا طويلًا على مواقع التواصل لأنهم يحبون الشاشة فعلًا… أم لأننا تركنا لهم فراغًا لم نجد نحن الوقت لملئه؟
قد لا تكون المشكلة في الهاتف وحده.
ربما تبدأ المشكلة عندما يصبح العالم الافتراضي أكثر دفئًا من العالم الحقيقي.
منية عمراني جمالي
كوتش مدرسية ومرافقة أبوية، متخصصة في تعديل السلوك عند الطفل والمراهق