بوريطة من الأمم المتحدة: مساءلة الجماعات المسلحة وداعميها… ورسالة حازمة إلى إسبانيا بشأن الهجرة.

حملت مداخلة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، رسائل سياسية وأمنية تتجاوز الملفات الظرفية، من خلال الدعوة إلى إعادة ترتيب أولويات المجتمع الدولي في مواجهة تنامي خطر الجماعات المسلحة غير الحكومية، ومساءلة الدول التي توفر لها التمويل أو السلاح أو الحماية.

وفي كلمته خلال المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، شدد بوريطة على أن العالم يواجه، وفق التصور الذي قدمه المغرب، تهديداً متزايداً من الجماعات المسلحة غير الحكومية، منتقداً تراجع قدرة الهياكل والمؤسسات الدولية القائمة على الوقاية من النزاعات وتدبير الأزمات.

لم يكتف الخطاب المغربي بتسليط الضوء على الجماعات المسلحة باعتبارها طرفاً مستقلاً، بل ركز بصورة خاصة على ما وصفه بوريطة بالترابط بين الجماعات المسلحة والميليشيات الانفصالية من جهة، والتنظيمات الإرهابية والشبكات الإجرامية العابرة للحدود والمرتزقة من جهة أخرى.

وبحسب الموقف الذي عرضه الوزير المغربي، فإن التعامل مع هذه الكيانات لا ينبغي أن يقتصر على احتواء نتائج أفعالها، وإنما يجب أن يمتد إلى مساءلة الجهات التي توفر لها الدعم، ودعا بوريطة المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات حازمة، تقوم على تحميل الدول التي «ترعى أو تؤوي أو تمول أو تسلح» هذه الجماعات مسؤوليتها، مؤكداً أن المسؤولية، من وجهة النظر المغربية، لا تقتصر على الجانب السياسي، وإنما يمكن أن تكون أيضاً قانونية وأخلاقية وتاريخية.

وفي أكثر النقاط وضوحاً في المداخلة، دعا الوزير المغربي إلى فرض عقوبات رادعة على الجماعات المسلحة ومن يحميها، مع تطبيق مبدأ المسؤولية على كل جهة تمولها أو تزودها بالسلاح أو توفر لها الملاذ

يكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في سياق النزاع حول الصحراء، إذ إن الإشارة إلى «الميليشيات الانفصالية» وضرورة مساءلة داعمي الجماعات المسلحة يمكن قراءتها باعتبارها جزءاً من المقاربة المغربية التي تسعى إلى ربط قضية البوليساريو بمسائل الأمن ومكافحة الجماعات المسلحة والمسؤولية الدولية، لكن من الناحية القانونية والدبلوماسية، ينبغي التمييز بين الدعوة السياسية إلى العقوبات وبين صدور عقوبات فعلية عن الأمم المتحدة؛ فمداخلة بوريطة تمثل موقفاً مغربياً ودعوة إلى تحرك دولي، ولا تعني صدور قرار أممي بفرض عقوبات على الجزائر أو البوليساريو.

وبالموازاة مع مداخلته أمام الأمم المتحدة، عقد بوريطة لقاءً مع وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس في نيويورك، حيث كان ملف الهجرة وسبتة حاضراً بقوة، وعقب اللقاء، وجه الوزير المغربي رسالة مباشرة إلى الصحافة بشأن المهاجرين الموجودين في سبتة، وخاصة القاصرين غير المصحوبين، مؤكداً أن موقف المغرب من عودتهم «واضح».

وقال بوريطة إن المسؤولية، إذا لم تتم إعادة المهاجرين والقاصرين، ينبغي أن توجه إلى الجانب الإسباني، مضيفاً: «إذا لم يرجع المهاجرون، وإذا لم يرجع القاصرون، فلا ينبغي السؤال المغرب، بل ينبغي سؤال إسبانيا. المغرب ليس هو من يعيدهم».

وتحمل هذه التصريحات دلالة سياسية تتجاوز موضوع الإجراءات الإدارية الخاصة بالهجرة. فبوريطة حاول، من خلال صياغته، نقل مركز المسؤولية في النقاش من الرباط إلى مدريد، مؤكداً أن المغرب يقول إنه ملتزم بعودة المهاجرين والقاصرين، وأن عدم حصول العودة لا يمكن، وفق هذا الطرح، أن ينسب تلقائياً إلى الجانب المغربي.

المفارقة اللافتة أن التصعيد في لغة المسؤولية لم يمنع استمرار التعاون بين الرباط ومدريد، فبحسب وكالة الأنباء الإسبانية «إفي»، أكد ألباريس عقب اللقاء أن المغرب قدم ضمانات بالتعاون الكامل بشأن سبتة، خصوصاً في مواجهة محاولات العبور الجماعي. وهذا يعكس استمرار قنوات التعاون الأمني والهجرة بين البلدين، حتى مع وجود اختلافات في كيفية تقديم المسؤوليات للرأي العام.

ومن هنا يمكن قراءة تصريحات بوريطة على مستويين متوازيين: تعاون عملي بين المغرب وإسبانيا في تدبير الهجرة والأمن، مقابل تشدد سياسي وإعلامي بشأن الجهة التي تتحمل مسؤولية المهاجرين الموجودين داخل الأراضي الإسبانية.

تكشف مداخلة بوريطة وتصريحاته في نيويورك عن محاولة لربط ملفات تبدو في ظاهرها منفصلة ضمن تصور واحد يقوم على مبدأ المسؤولية والمساءلة، ففي الملف الأمني، يطالب المغرب بمساءلة الجماعات المسلحة ومن يمولها أو يسهل عملها، وفي ملف الصحراء، يأتي هذا الطرح في سياق محاولة الرباط تعزيز مقاربتها التي تركز على دور البوليساريو والدعم الذي تقول إن الجزائر توفره لها، وفي ملف الهجرة، يؤكد بوريطة أن المغرب مستعد للتعاون بشأن العودة، لكنه يرفض، كما يظهر من تصريحاته، أن يتحمل مسؤولية ما يحدث للمهاجرين بعد وجودهم داخل الأراضي الإسبانية.

وبذلك يبدو خطاب الوزير المغربي موجهاً إلى أكثر من طرف في الوقت نفسه: إلى المجتمع الدولي بشأن الجماعات المسلحة وداعميها، وإلى الجزائر والبوليساريو في سياق نزاع الصحراء، وإلى إسبانيا بشأن تدبير ملف الهجرة وسبتة.

الأهم في هذه المواقف ليس فقط ما طالب به بوريطة، وإنما الإطار الذي حاول وضع الملفات داخله، فالمغرب يدفع باتجاه أن تكون مواجهة الجماعات المسلحة مرتبطة بمساءلة من يقف خلفها، لا بمجرد التعامل مع نتائج أفعالها. وفي المقابل، وفي الملف الإسباني، يحاول تثبيت فكرة أن التعاون مع المغرب لا يعني تحميله تلقائياً مسؤولية كل ما يحدث في ملف الهجرة.

وبين خطاب الأمم المتحدة وتصريحات نيويورك، تبرز فكرة مشتركة: الرباط تريد أن تكون المسؤولية محددة وموزعة بحسب دور كل طرف، لا أن تتحمل دولة واحدة تبعات ملف متعدد الأطراف.

ويبقى التحدي بالنسبة إلى هذه المقاربة هو الانتقال من مستوى الخطاب السياسي إلى إجراءات دولية ملموسة، خصوصاً في ما يتعلق بالعقوبات على الجماعات المسلحة وداعميها، وهي مسألة تتطلب توافقات وقرارات داخل المؤسسات الدولية، ولا يمكن اختزالها في إعلان سياسي صادر عن دولة واحدة.

أما في العلاقات المغربية الإسبانية، فإن استمرار التعاون الأمني إلى جانب تبادل الرسائل الحازمة حول الهجرة يعكس تعقيد العلاقة بين البلدين: شراكة عملية من جهة، ومفاوضات مستمرة حول المسؤوليات والمصالح من جهة أخرى.

وتعكس مواقف ناصر بوريطة في نيويورك توجهاً مغربياً نحو جعل المساءلة مبدأً مركزياً في التعامل مع الجماعات المسلحة والجهات الداعمة لها، مع الدفع باتجاه تحميل كل طرف مسؤولية أفعاله والتزاماته. وبالتوازي، حمل لقاؤه مع نظيره الإسباني وتصريحاته بشأن المهاجرين رسالة واضحة مفادها أن التعاون بين الرباط ومدريد، رغم أهميته واستمراره، لا يلغي الخلاف حول توزيع المسؤوليات في تدبير ملف الهجرة.

وبين أروقة الأمم المتحدة والاتصالات الثنائية مع إسبانيا، تبدو الدبلوماسية المغربية منشغلة بتثبيت مقاربة تقوم على ربط المسؤولية بالفعل، والدعم بالمساءلة، والتعاون بالالتزام المتبادل؛ وهي مقاربة ستظل رهينة بمدى قدرتها على التحول من الخطاب السياسي إلى مواقف وقرارات عملية على المستوى الدولي.

Comments (0)
Add Comment