الدكتور عبد الودود خربوش… رؤية جديدة تجعل محاربة الأمية رافعة للتنمية والتمكين الاقتصادي

لم تعد محاربة الأمية في المغرب مجرد ورش لتعليم القراءة والكتابة، بل أضحت إحدى القضايا الاستراتيجية المرتبطة بالتنمية البشرية والعدالة الاجتماعية والمجالية، في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المملكة. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التوجه الذي يقوده الدكتور عبد الودود خربوش، مدير الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية، والرامي إلى الانتقال من المقاربة التعليمية التقليدية إلى رؤية تنموية متكاملة تجعل من اكتساب المعرفة مدخلاً للتأهيل المهني والاندماج الاقتصادي وتحسين الظروف المعيشية للفئات المستفيدة.

وقد شكل اللقاء الوطني الذي نظمته الوكالة بالرباط، بمناسبة اليوم الوطني لمحو الأمية في أكتوبر 2026، مناسبة لإبراز معالم هذا التحول، الذي يستند إلى قناعة أساسية مفادها أن القضاء على الأمية لا يتحقق بمجرد تمكين الأفراد من المهارات الأساسية، وإنما بفتح آفاق جديدة أمامهم للمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. فالتعلم، وفق هذا التصور، ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتعزيز الاستقلالية وتطوير القدرات وإتاحة فرص حقيقية للارتقاء الاجتماعي.

وتتجلى أهمية هذه الرؤية في ربط برامج محو الأمية بمسارات التكوين والتأهيل المهني، بما يسمح للمستفيدين باكتساب كفايات عملية تساعدهم على الولوج إلى سوق الشغل أو إحداث مشاريع مدرة للدخل. وهو توجه يكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى النساء في الوسط القروي والشباب المنحدرين من الأوساط الهشة، باعتبارهم من الفئات التي تحتاج إلى مواكبة تتجاوز حدود الفصل الدراسي، وتمتد إلى اكتساب المهارات المهنية والتدبيرية الضرورية لتحسين أوضاعهم الاقتصادية.

ولضمان نجاعة هذا التحول، تراهن الوكالة على تطوير آليات الاستهداف اعتماداً على معطيات السجل الاجتماعي الموحد ومخططات العمل الترابية، بما يتيح توجيه التدخلات نحو الفئات والمجالات الأكثر احتياجاً. وتكمن أهمية هذه المقاربة في مراعاة التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وتكييف البرامج مع الخصوصيات الاقتصادية والثقافية لكل منطقة، بدلاً من اعتماد حلول موحدة قد لا تستجيب للحاجيات الفعلية للسكان. كما أن نجاحها يظل رهيناً بتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، حتى تتحول الالتقائية المؤسساتية إلى مشاريع ميدانية ذات أثر ملموس.

وفي السياق نفسه، يشكل تنزيل الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الأمية للفترة 2023-2035 وخارطة الطريق 2023-2027 إطاراً لتحديث أساليب التدبير والرفع من جودة الحكامة، خصوصاً من خلال توظيف الحلول الرقمية، وفي مقدمتها منظومة التدبير المعلوماتي «SIMPA». فاعتماد هذه الأدوات من شأنه تحسين تتبع البرامج، وتوفير معطيات دقيقة تساعد على اتخاذ القرار ورصد الاختلالات وتقييم النتائج. غير أن الرهان الأساسي يظل مرتبطاً بمدى انعكاس هذه الآليات على جودة التعلم واستمرارية استفادة المتعلمين، وقدرتهم على الانتقال من اكتساب المعارف إلى توظيفها في حياتهم اليومية والمهنية.

ولا يمكن الحديث عن نجاح هذه المقاربة دون استحضار الدور المحوري الذي تضطلع به جمعيات المجتمع المدني والمكونون العاملون في الميدان، باعتبارهم حلقة وصل أساسية بين المؤسسات والفئات المستهدفة. ومن هنا تكتسب النسخة الثانية من الجائزة الوطنية لمحاربة الأمية دلالتها، من خلال تثمين جهود الجمعيات والمكونين المتميزين، والاحتفاء بالمستفيدين الذين استطاعوا مواصلة تعليمهم أو إطلاق مبادرات اقتصادية خاصة. فمثل هذه التجارب تقدم نماذج مشجعة على أن الاستثمار في التعلم يمكن أن يفتح مسارات جديدة للاندماج والإنتاج.

وتزداد أهمية هذا التوجه حين نستحضر إمكانات تنزيله على المستوى الترابي، ولا سيما في جهات مثل كلميم وادنون، التي تتوفر على مؤهلات اقتصادية وثقافية يمكن توظيفها في برامج تجمع بين محو الأمية والتكوين في مجالات الصناعة التقليدية، وتثمين المنتوجات المحلية، وتدبير التعاونيات، والسياحة القروية، والتسويق الرقمي. فربط التعلم بالأنشطة الاقتصادية المتاحة محلياً من شأنه تعزيز فرص الاستفادة الفعلية، وتحويل البرامج إلى أدوات لدعم المبادرة الذاتية وتقوية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

وفي تقديرنا، فإن ما يستحق التنويه في مجهودات الدكتور عبد الودود خربوش هو هذا الحرص على إعادة تموقع محاربة الأمية داخل السياسات العمومية ذات البعد التنموي، والانفتاح على آليات حديثة في التخطيط والاستهداف والتتبع. وهي مقاربة تعكس وعياً بأن معالجة الأمية لا يمكن فصلها عن مواجهة الهشاشة والإقصاء، وأن الاستثمار في قدرات الإنسان يظل من أنجع السبل لتحقيق تنمية مستدامة ومنصفة.

ومع ذلك، فإن تثمين هذا التوجه ينبغي أن يقترن بالتأكيد على أهمية ترجمته إلى نتائج قابلة للقياس، من خلال ضمان جودة التكوين، وتعزيز المواكبة بعد انتهاء البرامج، وتيسير ولوج المستفيدين إلى فرص التمويل والتشغيل والأسواق. فنجاح أي استراتيجية لا يتحدد فقط بوضوح أهدافها، وإنما بقدرتها على إحداث تحول مستمر في حياة الفئات التي وضعت من أجلها.

إن الرؤية التي يعمل الدكتور عبد الودود خربوش على ترسيخها تستحق الدعم والتشجيع، لما تحمله من أفق يتجاوز المعالجة التقليدية للأمية نحو جعل المعرفة أساساً للتمكين والكرامة والمشاركة في التنمية. كما أن نجاح هذا الورش الوطني يقتضي تعبئة جماعية تنخرط فيها المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، ضمن رؤية تتكامل فيها الجهود وتتقاسم فيها المسؤوليات.

فالقيمة الحقيقية لمحاربة الأمية لا تكمن فقط في أن يصبح الإنسان قادراً على قراءة الكلمات، بل في أن يمتلك المعرفة والثقة والوسائل التي تمكنه من كتابة فصل جديد في حياته، والمساهمة بفاعلية في بناء مستقبل مجتمعه.

Comments (0)
Add Comment