سقطت ورقة التوت عن عورة بعض المعلّقين الرياضيين، ممن لم يعودوا يتحلّون لا بالروح الرياضية ولا بأخلاقيات المهنة، فتحوّلت قمرة التعليق من فضاء لنقل المتعة والتنافس الشريف إلى منبر مبطّن لتصفية الحسابات وتمرير أجندات لا تمتّ بصلة للرياضة.
فبدل أن يكون المعلّق وسيطًا نزيهًا بين الحدث والجمهور، صار عند بعضهم فاعلًا منحازًا، يحمّل اللقطة أكثر مما تحتمل، ويقحم المتلقي قسرًا في صراعات سياسية وإيديولوجية لا علاقة لها بالمستطيل الأخضر. هكذا وجد الجمهور نفسه أمام خطاب مشحون، يخلط بين التحليل الرياضي والرسائل المبطّنة، ويصادر حق المشاهد في متابعة لعبة بريئة بروح تنافسية نظيفة.
هؤلاء المعلّقون العالقون بين الرياضة والسياسة، لم يلتزموا ببراءة اللعبة ولا امتلكوا شجاعة إعلان مواقفهم خارج إطارها الطبيعي. يستثمرون لحظة شعبية جامعة، حيث تتوحّد المشاعر وتعلو راية الانتماء الرياضي، ليحوّلوها إلى أداة شحن واستقطاب، بدل أن تبقى مساحة فرح وتلاقي.
إن أخطر ما في هذا الانزلاق المهني، هو تحويل الرياضة إلى أداة تعبئة لغوية، تُفرغ الحدث من قيمه الإنسانية، وتحوّل الكرة من لعبة شعبية عالمية إلى «كرة نار» تُرمى في وعي الجماهير، فتؤجّج الاحتقان بدل أن تصنع البهجة.
الإعلام الرياضي، بوصفه سلطة ناعمة، مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى باستعادة أخلاقيات المهنة: الحياد، الاحترام، والمسؤولية. فحين تُختطف الرياضة إعلاميًا، لا يخسر الجمهور متعة المشاهدة فقط، بل تُصاب الثقة في الإعلام ذاته بجرح عميق، يصعب رأبه دون محاسبة ذاتية ومهنية صادقة.