تحت مظلة التنوع الثقافي والإبداع الفني، اختتمت بمدينة أكادير فعاليات الدورة الـ17 للمهرجان الدولي “إسني ن ورغ” للفيلم الأمازيغي (FINIFA 2026)، تحت شعار احتفالية “20 سنة من إبداع إسني ن ورغ”، والذي يطفئ هذا العام شمعته العشرين من العطاء والإبداع، أكد مجددًا مكانته كمنصة دولية رائدة تفتح آفاقاً جديدة للتعبير وحوار الثقافات، من خلال عروض سينمائية جمعت بين الإنتاج الوطني والمشاركات العالمية.
المهرجان الدولي “إسني ن ورغ” للفيلم الأمازيغي هو أحد أبرز التظاهرات الفنية السينمائية في المغرب، ويُعقد سنويًا في مدينة أكادير المغربية بهدف رئيسي وهو الترويج للسينما الأمازيغية وخلق فضاء للتعارف والتبادل بين السينمائيين عبر العالم.
وعلى مدى عقدين، نجح المهرجان في مراكمة زخم فني هائل عبر دعم الإنتاج و”سينما الهامش”، تقريب الشباب من أدوات الإنتاج السينمائي وتقديم ورش تدريبية، وتنظيم ندوات موضوعاتية وإصدار كتب جماعية تناقش قضايا الهوية، مثل ثيمة “تمثلات المرأة في السينما الأمازيغية”، ويُنظم المهرجان بشراكة استراتيجية مع مجلس جهة سوس ماسة، جماعة أكادير، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
وعرفت هذه الدورة مشاركة 30 فيلماً من 18 بلداً وإقليماً، من بينها 14 فيلماً مغربياً. وتميزت المنافسة بالقوة في مختلف الفئات (المسابقات الرسمية، الدولية، والجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية)، وفي ليلة الختام، توج الفيلم السينمائي الطويل “ڭندافة – الأغنية الملعونة” للمخرج المغربي علي بنجلون بـ الجائزة الكبرى للمهرجان، مسيطراً على ثلاثة جوائز رئيسية في فئة الأفلام الطويلة ومؤكداً دينامية الإنتاج السينمائي الأمازيغي الوطني.
وفي الوقت الذي تحتفي فيه أكادير بالصورة والعدسة في مهرجان “إسني ن ورغ”، ترتبط الاحتفالات الخريفية في وجدان المغاربة بموسم ثقافي موازٍ ينبض بالحياة في أعالي جبال الأطلس الكبير؛ وهو “موسم الخطوبة ومهرجان موسيقى الأعالي بإملشيل”، حدث ثقافي واجتماعي سنوي بارز يُقام بإقليم ميدلت، وتحديداً بجماعتي بوزمو وإملشيل، ويُعتبر واحداً من أقدم التقاليد التراثية لقبائل آيت حديدو الأمازيغية.
ويتقاطع هذا المهرجان التراثي مع رغبة القبائل الأمازيغية في الاحتفاء بالمتزوجين الجدد، حيث يشهد طقساً سنوياً عريقاً يتمثل في “الأعراس الجماعية”، والتي تُعقد فيها عقود قران عشرات الأزواج من أبناء المنطقة بحضور وتوثيق رسمي، هذا الطقس المستوحى من أسطورة الحب التاريخية الشهيرة (إيسلي وتيسليت) تحول إلى تظاهرة سياحية وثقافية تستقطب آلاف الزوار سنوياً للاحتفاء بقيم التضامن الاجتماعي وصون التقاليد.
ويُشكل كل من المهرجان الدولي “إسني ن ورغ” للفيلم الأمازيغي بأكادير وموسم الخطوبة ومهرجان موسيقى الأعالي بإملشيل، وجهين لعملة واحدة تُجسد عبقرية الثقافة الأمازيغية وتنوعها؛ فبينما تقود شاشات أكادير معركة صيانة الهوية وعصرنتها من خلال الفن والعدسة والإنتاج السينمائي العالمي، تحافظ جبال إملشيل على العمق الاجتماعي والتراثي من خلال الأعراس الجماعية وتوثيق روابط الأسرة الأمازيغية.
إن هذه التظاهرات، على اختلاف قوالبها بين المعاصرة والتقليدية، تلتقي في نقطة جوهرية واحدة: الاحتفاء بالإنسان والأرض والذاكرة المشتركة، لتؤكد أن المغرب يمتلك رصيداً ثقافياً حياً وقادراً على الموازاة بين التطور الفني والحفاظ على الأصالة الممتدة عبر التاريخ.