السدل في الصلاة خيار فقهي راسخ في المذهب المالكي وعنوان لوحدة المغاربة الدينية

مجلة الجالية
يُعدّ السدل في الصلاة، أي إرسال اليدين على الجانبين أثناء القيام، من المسائل الفقهية التي استقر عليها العمل في المذهب المالكي، الذي ينتسب إلى الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة في الفقه السني. وقد شكّل هذا الاختيار الفقهي عبر قرون جزءًا من الهوية الدينية للمغاربة، في إطار مرجعيتهم المذهبية الثابتة.
الأساس الفقهي للسدل عند المالكية
يرتكز القول بالسدل في المذهب المالكي على أصول معروفة، في مقدمتها اعتماد الإمام مالك على عمل أهل المدينة باعتباره حجة معتبرة، لكون المدينة المنورة موطن التشريع الأول ومحل إقامة النبي صلى الله عليه وسلم وكبار الصحابة. وقد نقلت كتب المذهب أن العمل المستقر في المدينة – في نظر الإمام مالك – كان على السدل في صلاة الفريضة.
كما استند المالكية إلى آثار نُقلت عن عدد من الصحابة والتابعين، من بينهم عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، معتبرين أن ذلك يعزز مشروعية هذا الاختيار.
وفي “المدونة الكبرى” سُئل الإمام مالك عن وضع اليدين في الصلاة، فذكر أنه لا يعرف القبض في الفريضة، وأجازه في النافلة للاستعانة، ما يفهم منه أن السدل هو الأصل عنده في صلاة الفرض.
السدل في تراث علماء المالكية
أكد عدد من كبار أعلام المذهب هذا المعتمد الفقهي، ومنهم أبو الوليد الباجي، والقاضي عياض، وابن عبد البر، حيث قرروا أن السدل هو المشهور والمعمول به في المذهب.
وفي المقابل، ذهب أئمة معتبرون في مذاهب فقهية أخرى إلى القول بالقبض، معتبرين أن المسألة اجتهادية يسوغ فيها الخلاف، وهو ما يعكس سعة الفقه الإسلامي وتعدّد مدارسه.
السدل ووحدة المرجعية الدينية في المغرب
منذ قرون، اعتمد المغرب المذهب المالكي مرجعية رسمية في الفتوى والقضاء، ما أسهم في توحيد المرجعية الدينية وضبط المجال الفقهي. ويأتي السدل ضمن هذا النسق المذهبي الذي يندرج في إطار الثوابت الدينية للمملكة، والمتمثلة في:
العقيدة الأشعرية
المذهب المالكي
التصوف السني
وهي ثوابت تحظى برعاية إمارة المؤمنين، التي يتولاها محمد السادس بصفته أمير المؤمنين، بما يعزز الاستقرار الروحي ووحدة المغاربة في شؤون دينهم.
ويبقى السدل في الصلاة اختيارًا فقهيًا معتمدًا في المذهب المالكي، له أصوله وأدلته وتاريخه العلمي المتصل. وفي الوقت نفسه، تظل مسألة وضع اليدين في الصلاة من مسائل الخلاف السائغ بين الفقهاء، لا ينبغي أن تكون سببًا للنزاع أو الفرقة.
فالرهان الأسمى يظل في الحفاظ على وحدة الصف، واحترام المذاهب المعتبرة، والاعتزاز بالمرجعية الدينية التي درج عليها علماء المغرب عبر الأجيال، في إطار الثوابت الجامعة التي صانت الأمن الروحي للبلاد.

Comments (0)
Add Comment